حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار(ع) - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣٧٥ - الباب الثاني و الأربعون في صبره و امتحانه
النّواقص العقول و الحظوظ على كلّ حال، كعادة بني الأصفر [١] و من مضى من ملوك سبأ و الأمم الخالية، فأصبر [٢] على ما كرهت أوّلا و آخرا، و قد أهملت المرأة و جندها يفعلون ما وصفت بين الفريقين من النّاس، و لم أهجم على الأمر إلّا بعد ما قدّمت و أخّرت، فتأنّيت و راجعت، و أرسلت و سافرت، و أعذرت و أنذرت، و أعطيت القوم كلّ شيء التمسوه بعد أن أعرضت عليهم كلّ شيء لم يلتمسوه.
فلما أبوا إلّا تلك أقدمت عليها، فبلغ اللّه بي و بهم ما أراد، و كان لي عليهم بما كان منّي إليهم شهيدا، ثمّ التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟
قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.
فقال (عليه السلام): و أمّا السادسة- يا أخا اليهود- فتحكيمهم الحكمين و محاربة ابن آكلة الأكباد، و هو طليق بن طليق، معاند للّه و لرسوله و للمؤمنين منذ بعث اللّه محمدا (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى أن فتح اللّه عليه مكّة عنوة، فأخذت بيعته و بيعة أبيه لي معه في ذلك اليوم و في ثلاثة مواطن بعده، و أبوه بالأمس أوّل [٣] من سلّم عليّ بإمرة المؤمنين، و جعل يحثّني على النهوض في أخذ حقّي من الماضين قبلي، يجدّد لي بيعته كلّما أتاني.
و أعجب العجب أنّه لمّا رأى ربي تبارك و تعالى قد ردّ إليّ حقي، و أقرّه في معدنه، و انقطع طمعه أنّ يصير في دين اللّه رابعا، و في أمانة حمّلناها حاكما، كرّ على العاصي بن العاص فاستماله، فمال إليه، ثم أقبل به بعد أن أطمعه مصر، و حرام عليه أن يأخذ من الفيء دون قسمه درهما، و حرام على الرّاعي إيصال درهم إليه فوق حقّه، فأقبل يخبط البلاد بالظلم، و يطأها بالغشم [٤]، فمن بايعه أرضاه، و من خالفه ناواه.
[١] المراد ببني الأصفر أهل الروم لأنّ أباهم الأوّل كان أصفر اللون، و هو روم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم (عليهما السلام).
[٢] في المصدر المطبوع، و البحار، و الاختصاص: «فأصير إلى ما كرهت».
[٣] يعني أبا سفيان في أوّل خلافة أبي بكر.
[٤] الغشم: الظلم.