حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار(ع) - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣٧٤ - الباب الثاني و الأربعون في صبره و امتحانه
الأعاليل، ثم التفت (عليه السلام) إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ فقالوا:
بلى يا أمير المؤمنين.
فقال (عليه السلام): و أمّا الخامسة- يا أخا اليهود- فإنّ المتابعين لي لمّا لم يطمعوا في تلك منّي و ثبوا بالمرأة عليّ، و أنا وليّ أمرها و الوصيّ عليها، فحملوها على الجمل و شدّوها على الرحال، و أقبلوا بها تخبط [١] الفيافي و تقطع البراري و تنبح عليها كلاب الحوأب [٢]، و تظهر لهم علامات الندم في كل ساعة و عند كلّ حال، في عصبة قد بايعوني ثانية بعد بيعتهم الأولى في حياة النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، حتى أتت أهل بلدة، قصيرة أيديهم، طويلة لحاهم، قليلة عقولهم، عاذبة آراؤهم، و هم جيران بدو، و ورّاد بحر، فأخرجتهم، يخبطون بسيوفهم من غير علم، و يرمون بسهامهم بغير فهم، فوقفت من أمرهم على اثنتين، كلتاهما في محلّة المكروه ممّن إن كففت لم يرجع و لم يعقل، و إن أقمت كنت قد صرت إلى الّتي [٣] كرهت.
فقدّمت الحجّة بالإعذار و الإنذار، و دعوت المرأة إلى الرجوع إلى بيتها، و القوم الّذين حملوها على الوفاء ببيعتهم لي، و الترك لنقضهم عهد اللّه عزّ و جلّ فيّ، و أعطيتهم من نفسي كلّ الّذي قدرت عليه، و ناظرت بعضهم فرجع و ذكّرت فذكر، ثمّ أقبلت على الناس بمثل ذلك، فلم يزدادوا إلّا جهلا و تماديا و غيّا، فلمّا أبوا إلّا هي، ركبتها منهم، فكانت عليهم الدبرة [٤]، و بهم الهزيمة، و لهم الحسرة، و فيهم الفناء و القتل، و حملت نفسي على التي لم أجد منها بدّا، و لم يسعني إذ فعلت ذلك و أظهرته آخرا مثل الذي وسعني منه أوّلا من الإعطاء و الإمساك، و رأيتني إن أمسكت كنت معينا لهم عليّ بإمساكي على ما صاروا إليه و طمعوا فيه من تناول الأطراف، و سفك الدّماء، و قتل الرعية، و تحكيم النساء
[١] خبط البعير الأرض: ضربها، و يقال: خبطه أي ضربه ضربا شديدا و الفيافي: جمع الفيفاء و هي المفازة لا ماء فيها.
[٢] الحوأب (بفتح الأول و سكون الثاني و الهمزة المفتوحة): موضع في طريق البصرة.
[٣] في الاختصاص: إلى الّذي كرهت.
[٤] الدبرة (بالتحريك): الهزيمة، و في بعض النسخ: «عليهم الدائرة».