حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار(ع) - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٠١ - الباب الرابع و العشرون في تصوير الدنيا له
و رأيت صبيانه شعث [١] الشعور، غبر [٢] الألوان من فقرهم، فكأنّما سوّدت وجوههم بالعظلم [٣]، و عاودني مؤكّدا، و كرّر عليّ مردّدا، فأصغيت إليه سمعي، فظنّ أنّي أبيعه ديني، و أتّبع قياده مفارقا طريقتي، فأحميت له حديدة، ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها، فضجّ ضجيج ذي دنف [٤] من ألمها، و كاد أن يحترق من ميسمها [٥]، فقلت له: ثكلتك الثّواكل يا عقيل أتئنّ من حديدة أحماها إنسانها للعبه، و تجرّني إلى نار سجرها جبّارها لغضبه؟ أتئن من الأذى و لا أئنّ من لظى؟!
و أعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها، و معجونة شنئتها، كأنّها عجنت بريق حيّة أو قيئها، فقلت: أصلة، أم زكاة، أم صدقة؟ فذاك محرّم علينا أهل البيت، فقال: لا ذا و لا ذاك، و لكنّها هديّة، فقلت: هبلتك الهبول، أعن دين اللّه أتيتني لتخدعني؟ أمختبط أم ذو جنّة أم تهجر؟ فو اللّه لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي اللّه تعالى في نملة أسلبها جلب [٦] شعيرة ما فعلته، و إنّ دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها [٧]، ما لعليّ و نعيم يفنى، و لذة لا تبقى، نعوذ باللّه من سبات [٨] العقل، و قبح الزلل، و به نستعين [٩].
٦- و روي معلوما أنّ أبا بكر توفي و عليه لبيت مال المسلمين نيّف
[١] شعث الشعور: مغبّر الشعور و متلبّدها.
[٢] غبر الألوان: يوصف بها الجوع الشديد.
[٣] العظلم (بكسر العين): النيلج يصبغ بها.
[٤] الدنف (بفتح الدال المهملة و النون): المرض الثقيل الملازم.
[٥] الميسم (بكسر الميم و فتح السين المهملة): الحديدة أو الآلة التي يوسم بها.
[٦] الجلب (بضمّ الجيم): القشر.
[٧] تقضمها: تأكلها بأطراف الأسنان.
[٨] السبات (بضم السين المهملة): النوم.
[٩] نهج البلاغة للسيّد الرضي تحقيق الدكتور: ٣٤٦- الخطبة (٢٢٤) و عنه البحار ج ٤١/ ١٦٣ ح ٥٧.