حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار(ع) - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣٦٤ - الباب الثاني و الأربعون في صبره و امتحانه
العرب يومئذ عمرو بن عبدودّ، يهدر [١] كالبعير المغتلم [٢]، يدعو إلى البراز، و يرتجز و يخطر [٣] برمحه مرّة و بسيفه مرّة، لا يقدم عليه مقدم، و لا يطمع فيه طامع، و لا حميّة تهيّجه، و لا بصيرة تشجّعه، فأنهضني إليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، و عمّمني بيده و أعطاني سيفه هذا، و ضرب بيده إلى ذي الفقار، فخرجت إليه و نساء أهل المدينة بواك إشفاقا عليّ من ابن عبدودّ، فقتله اللّه عزّ و جلّ بيدي و العرب لا تعدّ لها فارسا غيره، و ضربني هذه الضربة و أومأ بيده إلى هامته فهزم اللّه قريشا، و العرب بذلك و بما كان منّي فيهم من النكاية، ثم التفت (عليه السلام) إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك، قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.
فقال (عليه السلام): و أمّا السادسة يا أخا اليهود فإنا وردنا مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) مدينة أصحابك خيبر على رجال من اليهود و فرسانها من قريش و غيرها، فتلقّونا بأمثال الجبال من الخيل و الرّجال و السلاح، و هم في أمنع دار، و أكثر عدد، كلّ ينادي و يدعو و يبادر إلى القتال، فلم يبرز إليهم من أصحابي أحد إلّا قتلوه، حتى إذا احمّرت الحدق و دعيت إلى النزال، و أهمّت كلّ امرىء نفسه، فالتفت بعض أصحابي إلى بعض، و كلّ يقول: يا أبا الحسن انهض، فأنهضني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى دارهم، فلم يبرز إليّ منهم أحد إلّا قتلته، و لا يثبت لي فارس إلّا طحنته.
ثم شددت عليهم شدّة اللّيث على فريسته، حتى أدخلتهم جوف مدينتهم مسدّدا عليهم، فاقتلعت باب حصنهم بيدي حتّى دخلت عليهم مدينتهم وحدي، أقتل من يظهر فيها من رجالها، و أسبي من أجد من نسائها، حتّى فتحتها وحدي و لم يكن لي فيها معاون إلّا اللّه وحده، ثمّ التفت إلى أصحابه فقال (عليه السلام): أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.
[١] هدر البعير: ردّد صوته في حنجرته.
[٢] اغتلم: كان منقادا للشهوة، و البعير المغتلم: الذي هاج من شهوة الضراب.
[٣] خطر الرجل برمحه و بسيفه: رفعه مرة و وضعه أخرى.