حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار(ع) - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣٦٥ - الباب الثاني و الأربعون في صبره و امتحانه
فقال (عليه السلام): و أمّا السابعة يا أخا اليهود فإنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لمّا توجّه لفتح مكّة أحبّ أن يعذر إليهم و يدعوهم إلى اللّه عزّ و جلّ آخرا كما دعاهم أوّلا، فكتب إليهم كتابا يحذّرهم فيه، و ينذرهم عذاب اللّه، و يعدهم الصفح و يمنّيهم مغفرة ربهم، و نسخ لهم في آخره سورة براءة لتقرأ عليهم، ثم عرض على جميع أصحابه المضيّ به فكلّهم يرى التثاقل فيه، فلمّا رأى ذلك ندب منهم رجلا فوجّهه به.
فأتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمّد لا يؤدّي عنك إلّا أنت أو رجل منك، فأنبأني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) بذلك، و وجّهني بكتابه و رسالته إلى أهل مكة فأتيت مكة، و أهلها من قد عرفتم ليس منهم أحد إلّا و لو قدر أن يضع على كلّ جبل مني إربا لفعل، و لو أن يبذل في ذلك نفسه و أهله و ولده و ماله، فبلّغتهم رسالة النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و قرأت عليهم كتابه، فكلّهم يلقاني بالتهدّد و الوعيد، و يبدي إليّ البغضاء، و يظهر لي الشحناء من رجالهم و نسائهم، فكان منّي في ذلك ما قد رأيتم، ثم التفت (عليه السلام) إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.
فقال (عليه السلام): يا أخا اليهود هذه المواطن الّتي امتحنني فيهنّ ربي عزّ و جلّ مع نبيّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، فوجدني فيها كلّها بمنّه مطيعا، و ليس لأحد فيها مثل الّذي لي، و لو شئت لوصفت ذلك، و لكنّ اللّه عزّ و جلّ نهى عن التّزكية.
فقالوا: يا أمير المؤمنين صدقت و اللّه، لقد أعطاك اللّه عزّ و جلّ الفضيلة بالقرابة من نبيّنا، و أسعدك بأن جعلك أخاه، تنزل منه بمنزلة هارون من موسى، و فضّلك بالمواقف الّتي باشرتها، و الأهوال الّتي ركبتها، و ذخر لك الّذي ذكرت و أكثر منه ممّا لم تذكره، و مما ليس لأحد من المسلمين مثله، يقول ذلك من شهدك منّا مع نبيّنا و من شهدك بعده، فأخبرنا يا أمير المؤمنين ما امتحنك اللّه عزّ و جلّ به بعد نبيّنا فاحتملته و صبرت عليه، فلو شئنا أن نصف ذلك لوصفناه علما منّا به، و ظهورا منّا عليه، إلّا أنّا نحبّ أن نسمع منك ذلك، كما سمعنا منك ما امتحنك اللّه به في حياته فأطعته فيها.