حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار(ع) - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣٦٦ - الباب الثاني و الأربعون في صبره و امتحانه
فقال (عليه السلام): يا أخا اليهود إنّ اللّه عزّ و جلّ امتحنني بعد وفاة نبيّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) في سبعة مواطن فوجدني فيهن من غير تزكية لنفسي بمنّه و نعمته صبورا.
أمّا أوّلهنّ يا أخا اليهود فإنّه لم يكن لي خاصّة دون المسلمين عامّة أحد آنس به، أو اعتمد عليه، أو استنيم [١] إليه، أو أتقرّب به غير رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، هو ربّاني صغيرا، و بوّأني كبيرا، و كفاني العيلة، و جبرني من اليتم، و أغناني عن الطلب، و وقاني المكسب، و عال [٢] لي النفس و الولد و الأهل، هذا في تصاريف أمر الدنيا، مع ما خصّني به من الدّرجات الّتي قادتني إلى معالي الحظوة [٣] عند اللّه عزّ و جلّ، فنزل بي من وفاة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ما لم أكن أظنّ الجبال لو حملته عنوة [٤] كانت تنهض به.
فرأيت الناس من أهل بيتي ما بين جازع لا يملك جزعه، و لا يضبط نفسه، و لا يقوى على حمل فادح [٥] ما نزل به، قد أذهب الجزع صبره، و أذهل عقله، و حال بينه و بين الفهم، و الإفهام، و القول، و الاستماع، و سائر الناس من غير بني عبد المطّلب بين معزّ يأمر بالصبر، و بين مساعد باك لبكائهم، جازع لجزعهم، و حملت نفسي على الصّبر عند وفاته، بلزوم الصمت و الاشتغال بما أمرني به: من تجهيزه، و تغسيله و تحنيطه و تكفينه، و الصلاة عليه، و وضعه في حفرته، و جمع كتاب اللّه و عهده إلى خلقه، لا يشغلني عن ذلك بادر [٦] دمعة، و لا هائج زفرة، و لا لاذع حرقة، و لا جزيل مصيبة، حتى أدّيت في ذلك الحقّ الواجب للّه عزّ و جلّ و لرسوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) عليّ، و بلّغت
[١] استنام إليه: سكن.
[٢] عال لي النفس و الولد و الأهل: كفاهم معاشهم.
[٣] الحظوة (بكسر الحاء المهملة و ضمّها): المكانة و المنزلة- و في المصدر: معالي الحق.
(٤) العنوة: القهر.
[٥] الفادح: الصعب المثقل.
[٦] بادر دمعة: الدمعة التي تبدر من غير اختيار. و الزفرة: النفس الطويل. و لذع الحبّ قلبه:
آلمه، و لذعت النار الشيء: لفحته.