حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار(ع) - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٠٣ - الباب الرابع و العشرون في تصوير الدنيا له
الكرى [١]، و لو شئت لتسربلت بالعبقري [٢] المنقوش من ديباجكم، و لأكلت لباب هذا البرّ بصدور دجاجكم، و لشربت الماء الزلال برقيق زجاجكم.
و لكني أصدّق اللّه جلّت عظمته، حيث يقول: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَ هُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ، أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ [٣]، فكيف أستطيع الصبر على نار لو قذفت بشررة إلى الأرض لأحرقت نبتها، و لو اعتصمت نفس بقلّة لأنضجها وهج [٤] النار في قلّتها، و إنّما خيّر لعليّ أن يكون عند ذي العرش مقرّبا، أو يكون في لظى خسيئا [٥] مبعّدا، مسخوطا عليه بجرمه مكذّبا.
و اللّه لأن أبيت على حسك السعدان مرقّدا، و تحتي أطمار [٦] على سفاها [٧] ممدّدا أو أجرّ في أغلال [٨] مصفّدا، أحبّ إليّ من أن ألقى في القيامة محمّدا خائنا في ذي يتمة أظلمه بفلسة متعمّدا، و لم أظلم اليتيم و غير اليتيم لنفس تسرع إلى البلى قفولها، و يمتدّ في أطباق الثرى حلولها، و إن عاشت رويدا [٩] فبذي العرش نزولها.
معاشر شيعتي احذروا فقد عضّتكم [١٠] الدنيا بأنيابها تختطف منكم نفسا بعد نفس كذئابها [١١]، و هذه مطايا الرّحيل، قد أنيخت لركّابها، إلّا أنّ
جمع الغلالة (بكسر الغين المعجمة): شعار تلبس تحت الثوب.
[١] الكرى (بفتح الكاف و سكون الراء): النعاس و النوم.
[٢] العبقري: الديباج- البسط الوشيّة.
[٣] هود: ١٥- ١٦.
[٤] الوهج (بفتح الواو و سكون الهاء): اتّقاد النار.
[٥] الخسيء: الصاغر.
[٦] الاطمار: (جمع الطمر بكسر الطاء) و هو الثوب الخلق البالي.
[٧] السفا (بفتح السين المهملة): التراب.
[٨] في المصدر و البحار: في أغلالي.
[٩] رويدا: قليلا.
[١٠] عضّه: أمسكه بأسنانه.
[١١] الضمير في «كذئابها» يرجع إلى الدنيا.