حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار(ع) - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣٦٧ - الباب الثاني و الأربعون في صبره و امتحانه
منه الّذي أمرني به، و احتملته صابرا محتسبا، ثم التفت (عليه السلام) إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.
فقال (عليه السلام): و أمّا الثانية يا أخا اليهود فإنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) أمّرني في حياته على جميع أمّته، و أخذ على جميع من حضره منهم البيعة و السمع و الطاعة لأمري، و أمرهم أن يبلّغ الشّاهد الغائب ذلك، فكنت المؤدّي إليهم عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أمره إذا حضرته، و الأمير على من حضرني منهم إذا فارقته، لا تختلج في نفسي منازعة أحد من الخلق لي في شيء من الأمر في حياة النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و لا بعد وفاته.
ثم أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بتوجيه الجيش الّذي وجّهه مع أسامة [١] بن زيد عند الّذي أحدث اللّه به من المرض الّذي توفّاه فيه، فلم يدع النبي (صلى اللّه عليه و آله) أحدا من أبناء [٢] العرب و لا من الأوس و الخزرج و غيرهم من سائر الناس ممّا يخاف على نقضه و منازعته، و لا أحدا ممن يراني بعين البغضاء ممّن قد و ترته بقتل أبيه و أخيه أو حميمه إلّا وجّهه في ذلك الجيش، و لا من المهاجرين و الأنصار و المسلمين و غيرهم من المؤلّفة قلوبهم و المنافقين، لتصفو قلوب من يبقى معي بحضرته، و لئلّا يقول قائل شيئا مما أكرهه، و لا يدفعني دافع من الولاية و القيام بأمر رعيته من بعده.
ثمّ كان آخر ما تكلّم به في شيء من أمر أمّته أن يمضي جيش أسامة و لا يختلف عنه أحد ممّن أنهض معه، و تقدّم في ذلك أشدّ التقدّم، و أوعز فيه أبلغ الإيعاز [٣]، و أكد فيه أكثر التأكيد، فلم أشعر بعد أن قبض النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) إلّا برجال من بعث أسامة بن زيد و أهل عسكره قد تركوا مراكزهم، و أخلوا [٤] مواضعهم، و خالفوا أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) فيما
[١] أسامة بن زيد بن حارثة الصحابي المتوفى سنة (٥٤) ه.
[٢] في المصدر و البحار: أفناء العرب، أي الذين لم يعلم ممّن هم.
[٣] أوعز إيعازا إليه في كذا أن يفعله أو يتركه: تقدّم و أشار.
[٤] في البحار: و أخلّوا بمواضعهم.