حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار(ع) - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣٦٩ - الباب الثاني و الأربعون في صبره و امتحانه
و لرسوله و لكتابه و دينه الإسلام يأتوني عودا [١] و بدءا و علانية و سرّا فيدعوني إلى آخر حقّي، و يبذلون أنفسهم في نصرتي ليؤدّوا إليّ بذلك بيعتي في أعناقهم، فأقول: رويدا و صبرا قليلا لعلّ اللّه يأتيني بذلك عفوا بلا منازعة، و لا إراقة الدماء.
فقد ارتاب كثير من الناس بعد وفاة النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، و طمع في الأمر بعده من ليس له بأهل، فقال كلّ قوم: منّا أمير، و ما طمع القائلون في ذلك إلّا لتناول غيري الأمر، فلمّا دنت وفاة القائم [٢]، و انقضت أيّامه صيّر الأمر بعده لصاحبه، و لكانت هذه أخت أختها، و محلّها منّي مثل محلّها، و أخذا منّي ما جعل اللّه لي، فاجتمع إليّ من أصحاب محمّد (صلى اللّه عليه و آله) ممّن مضى، و ممّن بقي ممّن أخره [٣] اللّه من اجتمع، فقالوا فيها مثل الّذي قالوا في أختها، فلم يعد قولي الثاني قولي الأوّل صبرا و احتسابا و يقينا و إشفاقا من أن تفنى عصبة تألّفهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) باللين مرّة و بالشدّة أخرى، و بالبذل [٤] مرّة و بالسيف أخرى.
حتّى لقد كان من تألّفه لهم أن كان النّاس في الكرّ و الفرار [٥] و الشبع و الريّ و اللباس و الوطأ [٦] و الدثار، و نحن أهل بيت محمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) لا سقوف لبيوتنا، و لا أبواب و لا ستور إلّا الجرائد و ما أشبهها، و لا وطاء و لا دثار علينا، يتداول الثوب الواحد في الصلاة أكثرنا، و تطوي اللّيالي و الأيّام جوعا عامّتنا، و ربّما أتانا الشيء ممّا أفاء اللّه علينا، و صيّره لنا خاصّة دون غيرنا، و نحن على ما وصفت من حالنا، فيؤثر به رسول اللّه أرباب النعم
[١] يقال: رجع عودا على بدء أي لم يتم ذهابه حتى وصله برجوعه.
[٢] أي القائم بعد الرسول (صلى اللّه عليه و آله) يعني أبا بكر.
[٣] في البحار: من مضى (رحمه اللّه) و من بقي ممّن أخّره اللّه.
[٤] في المصدر المطبوع: بالنذر مرّة.
[٥] قال العلّامة المجلسي بعد ذكر الخبر: و لعلّ الكرّ و الفرّ كناية عن الأخذ و الجرّ، و يحتمل أن يكون تصحيف الكزم و القزم بالمعجمتين، و الكزم بالتحريك: شدّة الأكل، و القزم: اللوم و الشح.
[٦] الوطاء (بكسر الواو و فتحها): خلاف الغطاء و هي ما تفترشها، و الدثار: الثوب الذي يستدفأ به من فوق الشعار، و ما يتغطى به النائم.