حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار(ع) - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣٧١ - الباب الثاني و الأربعون في صبره و امتحانه
يشاورني في موارد الأمور فيصدرها عن أمري، و يناظرني في غوامضها فيمضيها عن رأيي، لا أعلم أحدا و لا يعلمه أصحابي يناظره في ذلك غيري، و لا يطمع في الأمر بعده سواي، فلمّا أن أتته منيّته على فجأة بلا مرض كان قبله، و لا أمر كان أمضاه في صحّة من بدنه، لم أشكّ أنّي قد استرجعت [١] حقّي في عافية بالمنزلة الّتي كنت أطلبها، و العاقبة الّتي كنت ألتمسها، و أنّ اللّه سيأتي بذلك على أحسن ما رجوت، و أفضل ما أمّلت.
فكان من فعله أن ختم أمره بأن سمّى قوما أنا سادسهم و لم يسوّني [٢] بواحد منهم، و لا ذكر لي حالا في وراثة الرّسول (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، و لا قرابة و لا صهر و لا نسب، و لا لواحد منهم مثل سابقة من سوابقي، و لا أثر من آثاري، و صيّرها شورى بيننا، و صيّر ابنه فيها حاكما علينا، و أمره أن يضرب أعناق النفر السّتة الّذين صيّر الأمر فيهم إن لم ينفذوا أمره و كفى بالصبر على هذا- يا أخا اليهود- صبرا، فمكث القوم أيّامهم كلّها، كلّ يخطب لنفسه، و أنا ممسك عن أن سألوني عن أمري [٣] فناظرتهم في أيّامي و أيّامهم، و آثاري و آثارهم، و أوضحت لهم ما لم يجهلوه من وجوه استحقاقي لها دونهم، و ذكّرتهم عهد رسول اللّه إليهم، و تأكيد ما أكّده من البيعة لي في أعناقهم، فدعاهم [٤] حبّ الإمارة و بسط الأيدي و الألسن في الأمر و النهي و الركون إلى الدّنيا و الاقتداء بالماضين قبلهم إلى تناول ما لم يجعل اللّه لهم.
فإذا خلوت بالواحد ذكّرته أيام اللّه و حذّرته ما هو قادم عليه و صائر إليه،
[١] قال في البحار بعد ذكر الحديث في بيانه: قوله (عليه السلام): «لم أشكّ أني قد استرجعت حقي» أقول: أمثال هذا الكلام إنّما صدر عنه (عليه السلام) بناء على ظاهر الأمر، مع قطع النظر عمّا كان يعلمه بإخبار اللّه و رسوله من استيلاء هؤلاء الأشقياء، و حاصل الكلام أنّ حقّ المقام كان يقتضي أن لا يشكّ في ذلك كما قيل في قوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ*.
[٢] في المصدر المطبوع: «و لم يستوني» و في البحار: «و لم يستوفي» و في الاختصاص: «و لم يساوني» و على كلّ فلا يخلو عن إجمال.
[٣] في الاختصاص: «فإذا سألوني عن أمري».
[٤] في المصدر، و الاختصاص، و البحار: «دعاهم».