حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار(ع) - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣٧٧ - الباب الثاني و الأربعون في صبره و امتحانه
أربعة إلّا كان خامسهم، اشترط دفعهم إليه ليقتلهم و يصلبهم و انتحل دم عثمان و لعمر اللّه ما ألب [١] على عثمان، و لا جمع الناس على قتله إلّا هو و أشباهه من أهل بيته، أغصان الشّجرة الملعونة في القرآن.
فلمّا لم أجب إلى ما اشترط من ذلك كرّ مستعليا في نفسه بطغيانه و بغيه، بحمير لا عقول لهم و لا بصائر، فموّه [٢] لهم أمرا فاتّبعوه، و أعطاهم من الدّنيا ما أمالهم به إليه فناجزناهم و حاكمناهم إلى اللّه عزّ و جلّ بعد الإعذار و الإنذار، فلمّا لم يزده ذلك إلّا تماديا و بغيا لقيناه بعادة اللّه الّتي عوّدنا من النصر على أعدائه و عدوّنا، و راية رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بأيدينا، لم يزل اللّه تبارك و تعالى يفلّ حزب الشيطان بها حتى يقضي الموت عليه، و هو معلم رايات أبيه الّتي لم أزل أقاتلها مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في كلّ المواطن، فلم يجد من الموت منجا إلّا الهرب.
فركب فرسه و قلّب رايته! لا يدري كيف يحتال؟ فاستعان برأي ابن العاص، فأشار إليه بإظهار المصاحف و رفعها على الأعلام، و الدّعاء إلى ما فيها، و قال: إنّ ابن أبي طالب و حزبه أهل بصائر و رحمة و بقيا [٣]، و قد دعوك إلى كتاب اللّه أوّلا و هم مجيبوك إليه آخرا، فأطاعه فيما أشار به عليه، إذ رأى أنه لا منجا له من القتل أو الهرب غيره.
فرفع المصاحف يدعو إلى ما فيها بزعمه، فمالت إلى المصاحف قلوب من بقي من أصحابي بعد فناء خيارهم [٤] و جهدهم في جهاد أعداء اللّه و أعدائهم على بصائرهم، فظنّوا أنّ ابن آكلة الأكباد له الوفاء بما دعا إليه، فأصغوا إلى دعوته، و أقبلوا بأجمعهم في إجابته، فأعلمتهم أنّ ذلك منه مكر، و من ابن العاص معه، و أنّهما إلى النكث أقرب منهما إلى الوفاء، فلم يقبلوا قولي و لم يطيعوا أمري، و أبوا إلّا إجابته كرهت أم هويت، شئت أو أبيت، حتّى أخذ
[١] ألب (كنصر): تجمّع و تحشّد.
[٢] موّه عليه الأمر أو الخبر: زوّره عليه و زخرفه و لبّسه، أو بلّغه خلاف ما هو.
[٣] في المصدر المطبوع: «و رحمة و تقيا» و في الاختصاص: «و رحمة و معنى».
[٤] في المصدر المطبوع: «أخيارهم».