حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار(ع) - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣٧٨ - الباب الثاني و الأربعون في صبره و امتحانه
بعضهم يقول لبعض: إن لم يفعل فألحقوه بابن عفّان أو ادفعوه إلى ابن هند برمّته [١]! فجهدت- علم اللّه- جهدي، و لم أدع علّة [٢] في نفسي إلّا بلّغتها في أن يخلّوني و رأيي فلم يفعلوا، و راودتهم على الصبر على مقدار فواق [٣] الناقة أو ركضة [٤] الفرس، فلم يجيبوا ما خلا هذا الشيخ- و أومأ بيده إلى الأشتر- و عصبة من أهل بيتي.
فو اللّه ما منعني أن أمضي على بصيرتي إلّا مخافة أن يقتل هذان- و أومأ بيده إلى الحسن و الحسين- فينقطع نسل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و ذريّته من أمّته و مخافة أن يقتل هذا و هذا- و أومأ بيده إلى عبد اللّه بن جعفر، و محمّد بن الحنفية رضي اللّه عنهما- فإنّي أعلم لو لا مكاني لم يقفا ذلك الموقف، فلذلك صبرت على ما أراد القوم مع ما سبق فيه من علم اللّه عزّ و جلّ.
فلمّا رفعنا عن القوم سيوفنا، تحكّموا في الأمور، و تخيّروا الأحكام و الآراء، و تركوا المصاحف، و ما دعوا إليه من حكم القرآن، و ما كنت أحكّم في دين اللّه أحدا إذا كان التحكيم في ذلك الخطأ الذي لا شكّ فيه و لا امتراء.
فلمّا أبوا إلّا ذلك أردت أن أحكّم رجلا من أهل بيتي أو رجلا ممّن أرضى رأيه و عقله، و أثق بنصيحته و مودّته و دينه، و أقبلت لا أسمّي أحدا إلّا امتنع منه ابن هند، و لا أدعوه إلى شيء من الحقّ إلّا أدبر عنه، و أقبل ابن هند يسومنا عسفا [٥] و ما ذاك إلا باتّباع أصحابي له على ذلك، فلمّا أبوا إلّا غلبتي على التحكّم تبرّأت إلى اللّه عزّ و جلّ منهم، و فوّضت ذلك إليهم، فقلّدوه امرءا فخدعه ابن العاص خديعة ظهرت في شرق الأرض و غربها، و أظهر المخدوع عليها ندما، ثم أقبل على أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير
[١] برمّته: بجملته.
[٢] في المصدر: «و لم أدع غلّة في نفسي».
[٣] فواق الناقة: قال في البحار: الفواق: الوقت ما بين الحلبتين، لأنّها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدرّ ثمّ تحلب.
[٤] الركضة: الحركة و الدفعة، يقال: «ركض الفرس برجليه» أي استحثّه للعدو.
[٥] سامه الأمر: كلّفه إيّاه، و العسف: الظلم.