کلمات سدیدة في مسائل جدیدة - مؤمن، محمد - الصفحة ٤٠٤ - تبيّن مقتضى الأدلّة
و ممّا يشهد لكونه حكما ارتكازيا عقلائيا قوله تعالى حكاية عن فرعون:
(وَ قالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَ لْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ) [١].
فإن العالي اللّعين استشار الاقدام على قتل الرسول و جعل مبرّره أنّه يخاف عليه تبديل دين الناس أو إظهار الفساد في الأَرض و إبداء هذا المبرّر لا يتمّ إلّا إذا كان ارتكاز مخاطبيه- و هم من العقلاء- على أنّ من يظهر الفساد في الأَرض فهو مستحق لمجازاة القتل بل يجوز قتله إذا خيف منه الإفساد؛ دفعا لفساده، و صونا للاجتماع عنه.
فالآية تدلّ على ثبوت هذا الارتكاز للعقلاء من قديم الأَيّام كما هو شأن كلّ مرتكز عقلائي. إلّا أنّ هذا الارتكاز بنفسه ليس ممّا يصحّ الاستناد إليه ما لم يقرّره و يمضه الشارع فإذا القى إلى هؤلاء العقلاء قوله تعالى مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً يفهمون منه إمضاء ارتكازهم، و أنّ الشارع أيضا يجوّز قتل المفسد في الأَرض، كما عليه ارتكازهم.
فقد بان أنّ الآية المباركة تام الدلالة على جواز قتل المفسد في الأَرض، و على أنّ الإفساد في الأَرض تمام موضوع لجواز قتله. و اللَّه العالم.
و منها قوله تعالى (وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) [٢] و نظيره قوله تعالى (وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) [٣].
و تقريب الدلالة أنّه تعالى أمر المسلمين بالمقاتلة و أوجبها عليهم و جعل غايتها و نهايتها أو غاية إيجابها أن لا تكون فتنة، فما دامت الفتنة فالقتال واجب
[١] غافر: ٢٦.
[٢] الأنفال: ٣٩.
[٣] البقرة: ١٩٣.