دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٦٣٨ - اقتصرنا من ذكر أخلاقه و صفاته على هذين الخبرين
أذنيه، و كان ربما جعله غدائر تخرج الأذن اليمنى من بين غديرتين تكتنفانها، و تخرج الأذن اليسرى من بين غديرتين تكتنفانها، ينظر من كان يتأملهما من بين تلك الغدائر كأنهما توقد الكواكب الدّرّيّة بين سواد شعره، و كان أكثر شيبه (صلى اللّه عليه و سلم) في الرأس، في فودي رأسه- الفودان حرفا الفرق- كان أكثر شيبه في لحيته حول الذقن، و كان شيبه (صلى اللّه عليه و سلم) كأنه خيوط الفضة، يتلألأ بين ظهري سواد الشعر الذي معه، فإذا مسّ ذلك الشيب بصفرة- و كان (صلى اللّه عليه و سلم) كثيرا ما يفعل ذلك- صار كأنه خيوط الذهب يتلألأ بين ظهري سواد الشعر الذي معه. و كان (صلى اللّه عليه و سلم) أحسن الناس وجها، و أنورهم لونا، لم يصفه واصف قط بمعنى صفته إلا شبه وجهه بالقمر ليلة البدر، يقول: هو أحسن في أعين الناس من القمر، يعرف رضاه و غضبه في سرار [١] وجهه، كان (صلى اللّه عليه و سلم) إذا رضي أو سرّ فكأن وجهه المرآة، و إذا غضب تلوّن وجهه (صلى اللّه عليه و سلم) و احمرت عيناه، و كان (صلى اللّه عليه و سلم) إذا رضي كما وصفه صاحبه أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه:
أمين مصطفى للخير يدعو* * * كضوء البدر زايله الظلام
فيقول الناس: كان (صلى اللّه عليه و سلم) كذلك، و كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه كثيرا ما ينشد قول زهير بن أبي سلمى:
لو كنت من شيء سوى بشر* * * كنت المنوّر ليلة البدر
فيقول من سمعه: كذلك كان (صلى اللّه عليه و سلم).
و قالت عمته عاتكة بنت عبد المطلب بعد ما سار من مكة مهاجرا فجزعت عليه:
[١] السرار: الخط في الجبهة و الوجه.