دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٥٢٥ - ذكر ما كان في غزوة تبوك
يورّثه شيئا، و كان عمّه ميّلا [١] فأخذه و كفله حتى كان قد أيسر، و كانت له إبل و غنم و رقيق، فلما قدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة جعلت نفسه تتوق إلى الإسلام، و لا يقدر عليه من عمّه، حتى مضت السنون و المشاهد كلّها، فانصرف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من فتح مكة راجعا إلى المدينة، فقال عبد اللّه ذو البجادين لعمّه: يا عم إني قد انتظرت إسلامك، فلا أراك تريد محمدا، فاذن لي في الإسلام، فقال: و اللّه لئن اتبعت محمدا لا أترك بيدك شيئا كنت أعطيتك إلّا نزعته منك، قال عبد العزى- و هو اسمه يومئذ- فأنا و اللّه متّبع محمدا، و تارك عبادة الحجر، هذا ما بيدي فخذه، فأخذ كل ما كان أعطاه حتى جرّده من إزاره، فأتى أمه فأعطته بجادا لها [فشق بجاده] [٢] باثنين فاتزر بواحد، و اتّشح بالآخر، ثم أقبل المدينة، فاضطجع في المسجد في السّحر، ثم صلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم جعل يتصفّح الناس لما انصرف من صلاة الصبح، فنظر إليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: من أنت؟ قال:
أنا عبد العزى، قال: أنت عبد اللّه ذو البجادين، ثم قال: أنزل مني قريبا، فكان يكون من أضيافه (صلى اللّه عليه و سلم) و يعلمه القرآن، حتى قرأ قرآنا كثيرا، و الناس يتجهزون إلى تبوك، و كان رجلا صيّتا، و كان يقوم في المسجد فيرفع صوته بالقراءة، فقال عمر: يا رسول اللّه ألا تسمع إلى صوت هذا الأعرابي، يرفع صوته بالقرآن، قد منع الناس القراءة، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): دعه يا عمر فإنه خرج مهاجرا إلى اللّه و رسوله.
فلما خرجوا إلى تبوك قال: يا رسول اللّه أدع لي بالشهادة، فقال:
أبغني لحاء شجرة، فأبغاه لحاء شجرة، فربطها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على عضده
[١] أي ذو مال كثير.
[٢] ما بين الحاصرين أخذناه من سيرة ابن هشام ٢/ ٥٢٧ ليستقيم المعنى. و البجاد الكساء الغليظ.