دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٣٩٦ - ذكر خبر ركانة
و ما وضع جنبي أحد قبلك، فقال له ركانة: عد فإن أنت صرعتني فلك عشر أخرى تختارها، فأخذه نبي اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ودعا كل واحد منهما إلهه كمثل فعل أول مرة، فصرعه النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) الثالثة، فقال له ركانة: لست أنت الذي فعلت بي هذا، إنما فعله إلهك العزيز الحكيم و خذلني اللات و العزى، فدونك ثلاثين شاة من غنمي فاخترها، فقال له النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ما أريد ذلك و لكن أدعوك إلى الإسلام يا ركانة، و أنفس بك أن تصير إلى النار، إنك إن تسلم تسلم، فقال له ركانة: لا، إلا أن تريني آية، قال له النبي (صلى اللّه عليه و سلم): اللّه عليك شهيد، لئن أنا دعوت ربي فأريتك آية لتجيبني إلى ما أدعوك إليه؟ قال:
نعم، و قريب منهما شجرة سمر [١] ذات فروع و قضبان، فأشار إليها نبي اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قال لها: أقبلي بإذن اللّه، فانشقت باثنين فأقبلت على نصف شقّها و قضبانها و فروعها، حتى كانت بين يدي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و بين ركانة، فقال له ركانة: أريتني عظيما، فمرها فلترجع، فأمرها فرجعت بقضبانها و فروعها، حتى إذا التأمت قال له النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): أسلم تسلم، فقال ركانة: ما بي إلا أن أكون قد رأيت عظيما، و لكن أكره أن تسامع نساء المدينة و صبيانهم أني أجبت لرعب دخل في قلبي منك، و لكن قد علمت نساء المدينة و صبيانهم أنه لم يضع جنبي قطّ أحد، و لم يدخل قلبي رعب ساعة قط [ليلا] [٢] و لا نهارا، و لكن دونك فاختر غنمك، فقال له النبي (صلى اللّه عليه و سلم):
ليس لي حاجة إلى غنمك إذ أبيت أن تسلم، فانطلق نبي اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) راجعا، و أقبل أبو بكر و عمر يلتمسانه في بيت عائشة رضي اللّه عنها فأخبرتهما أنه قد خرج توجه قبل وادي أضم و قد عرفا أنه وادي ركانة لا يكاد يخطئه، فخرجا في طلبه و أشفقا أن يلقاه ركانة فيقتله، فجعلا يتصاعدان على كل
[١] السّمر: ضرب من شجر الطلح.
[٢] ما بين الحاصرين من الخصائص.