دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٤٩٢ - و من ذلك في غزاة بني النضير ما عصم اللّه عز و جل به نبيه (صلى اللّه عليه و سلم) من غدرهم و ما هموا به من قتله
الدهر، و اللّه لئن فعلتم [١] فإن هذا نقض للعهد الذي بيننا و بينه، فلا تفعلوا فواللّه إن فعلتم الذي تريدون ليقومن بهذا الدين منهم قائم إلى قيام الساعة، فيذل اليهود، و يظهر دينه، و قد هيأ عمر بن جحاش الصخرة ليرسلها على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و يدحرجها، فلما أشرف بها جاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الخبر بما همّوا به، فنهض رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) سريعا كأنه يريد حاجة، و توجه إلى المدينة، و جلس أصحابه يتحدثون، و هم يظنون أنه قام يقضي حاجته، فلما يئسوا من ذلك قال أبو بكر: ما مقامنا ها هنا لشيء، لقد توجه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لأمر.
قال حييّ بن أخطب عجل أبو القاسم، كنا نريد [٢] أن نقضي حاجته و نغديّه.
و ندمت اليهود على ما صنعوا، فقال لهم كنانة بن صوريا هل تدرون لم قام محمد؟ قالوا: لا و اللّه ما ندري؟ و لا تدري أنت قال: بلى و التوراة، إني لأدري قد أخبر محمد بما هممتم به من الغدر، فلا تخدعوا أنفسكم، و اللّه إنه لرسول اللّه، و ما قام إلا أنه أخبر بما هممتم به، و إنه لآخر الأنبياء، كنتم تطمعون أن يكون من بني هارون، فجعله اللّه عز و جل حيث شاء، و إن كتبنا و الذي درسنا في التوراة التي لم تغيّر و لم تبدل أن مولده بمكة، و أن هجرته بيثرب، و صفتها بعينها ما تخالف ما في كتابنا، و لكأني أنظر إليكم ظاعنين [٣] تتناغى صبيانكم، قد تركتم دوركم خلوفا، و أموالكم إنما هي شرفكم، فأطيعوني في خصلتين و الثالثة لا خير فيها.
[١] في شرح المواهب و مغازي الواقدي «لئن فعلتم ليخبرن بأنا قد غدرنا به، و إن هذا نقض للعهد».
[٢] في الأصل «لما يريد» و صححناه من شرح المواهب و مغازي الواقدي.
[٣] ظعن: ارتحل.