دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٣٣٨ - الفصل السّابع عشر و مما ظهر من الآيات في مخرجه إلى المدينة و في طريقه (صلى اللّه عليه و سلم)
خيمتي أمّ معبد الخزاعية [١]، و كانت برزة جلدة تحتبي [٢] بفناء القبة، ثم تسقي و تطعم، فسألوها لحما و تمرا ليشتروا منها، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، و كان القوم مرملين مسنتين، فنظر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى شاة في كسر الخيمة فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ قالت: شاة خلّفها الجهد عن الغنم، قال: بها من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذلك، قال: أفتأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: بأبي أنت و أمي، نعم، إن رأيت بها حلبا فاحلبها، فدعا بها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فمسح ضرعها بيده، و سمى اللّه عز و جل، و دعا لها في شاتها، فتفاجّت [٣] عليه و درّت و اجترّت، فدعا بإناء يريض الرهط [٤]، فحلب فيها ثجّا، حتى علاه البهاء، ثم سقاها حتى رويت، و سقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب آخرهم (صلى اللّه عليه و سلم) ثم أراضوا، ثم حلب ثانيا بعد بدء حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها و بايعها [٥]، ثم ارتحلوا عنها، فقال: ما لبثت إذ جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزلا [٦]، مخهنّ قليل، فلما رأى أبو معبد [٧] اللبن عجب و قال: من أين لك هذا؟ و الشاة عازب حائل، و لا حلوبة في البيت، قالت: لا و اللّه إلا أنه مر بنا رجل مبارك، من حاله كذا و كذا، فقال: صفيه لي يا أمّ معبد، قالت، رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، و لم تزر به صعلة، و سيم قسيم، في عينيه دعج، و في أشفاره عطف، و في صوته صهل، و في
[١] هي: عاتكة بنت خالد.
[٢] احتبى: جلس على إليته وضم فخذيه إلى بطنه بذراعيه ليستند.
[٣] تفاجّت: فرّجت ما بين رجليها للحلب.
[٤] يريض الرهط: يرويهم.
[٥] أي بايعها على الإسلام.
[٦] ضعافا. و شرح الكلمات الغريبة سيأتي في آخر الحديث.
[٧] أبو معبد: اختلف في اسمه فقيل أكثم، و قيل خنيس، و قيل عبد اللّه.