دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٦٠٨ - القول فيما أوتي يحيى بن زكريا
قلنا: قد أعطي محمد أفضل من هذا، لأن يحيى لم يكن في عصر الأوثان و الأصنام و الجاهلية، و محمد (صلى اللّه عليه و سلم) كان في عصر أوثان و جاهلية، فأوتي الفهم و الحكم صبيا بين عبدة الأوثان، و حزب الشيطان، فما رغب لهم في صنم قط، و لا شهد معهم عيدا، و لم يسمع منه قط كذب، و كانوا يعدّونه صدوقا، أمينا، حليما، رؤوفا، رحيما. و كان يواصل الأسبوع صوما فيقول «إني أظلّ عند ربيّ يطعمني و يسقيني» [١] و كان (صلى اللّه عليه و سلم) يبكي حتى يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء.
(CS( فإن قيل: فقد أثنى اللّه على يحيى فقال وَ سَيِّداً وَ حَصُوراً- آل عمران ٣٩- و الحصور: الذي لا يأتي النساء.
قلنا: إن يحيى كان نبيا و لم يكن مبعوثا إلى قومه، و كان منفردا بمراعاة شأنه، و كان نبيّنا (صلى اللّه عليه و سلم) رسولا إلى كافة الناس ليقودهم و يحوشهم [٢] إلى اللّه عز و جل قولا و فعلا، فأظهر اللّه تعالى به الأحوال المختلفة، و المقامات العالية المتفاوتة، في متصرفاته ليقتدي كل الخلق بأفعاله و أوصافه، فاقتدى به الصّدّيقون في جلالتهم، و الشهداء في مراتبهم، و الصالحون في اختلاف أحوالهم، ليأخذ العالي و الدّاني و المتوسط و المكين [٣] من فعاله قسطا و حظّا، إذ النكاح من أعظم حظوظ النفس و أبلغ الشهوات، فأمر بالنكاح، وحثّ عليه لمّا جبل اللّه عليه النفوس، و أباح ذلك لهم ليتحصنوا به من السّفاح، فشاركوه (صلى اللّه عليه و سلم) في ظاهره، و شملهم الاسم معه، و انفرد عن مساواته معهم، فقال (صلى اللّه عليه و سلم) (تزوّجوا فإني مكاثر بكم
[١] الحديث صحيح أخرجه البخاري و مسلم في كتاب الصيام- كراهة صيام الوصال.
[٢] حوش القوم: جمعهم و ساقهم.
[٣] المكين: العظيم.