دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٦٢١ - القول فيما أوتي عيسى
و قوله تعالى إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ- النصر ١- فتح مكة خصّ بين الفتوح بالفتح لعظم قدره، و إنها بلدة المهاجرين الذين أخرجوا منها، أهلها كانوا أشد الناس عداوة لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أصحابه، لأن القرابات و الجيران أشد تقاطعا و تباغضا، فبشره بفتحها قبل كونه، و يدخلون (الناس) أفواجا في دينه، فحقق اللّه تعالى له بشارته بفتحها، فقدمت الوفود الجامعات عليه المدينة مسلمين منقادين له ولدينه، فقبض اللّه نبيّه و قد طبّق الإسلام اليمن إلى شجر عمان و أقصى نجد العراق [١]، بعد مكة و الحجاز، و بسط رواقه و جرانه بالغور [٢]، فجرى حكم اللّه تعالى و حكمه (صلى اللّه عليه و سلم) على أهل مكة و الطائف و عمان و البحرين و اليمن و اليمامة.
و منه قوله تعالى وَ أُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها- الفتح ٢١- العجم و فارس و كقوله تعالى وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها- الأحزاب ٢٧- يعني: فارس و الروم، فوجدوا ما وعد اللّه تعالى كما وعدهم.
و منه قوله تعالى سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ- الفتح ١٦- وهم أهل فارس و الروم و بنو حنيفة أصحاب مسيلمة، فقاتلهم أبو بكر ثم عمر، لم يختلف أحد من أهل القبلة أن المخلّفين من الأعراب لم يدعوا إلى شيء من الحروب بعد توليهم عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، حتى دعوا في زمان أبي بكر إلى أصحاب البأس مسيلمة و بني حنيفة.
و وعد (صلى اللّه عليه و سلم) بيضاء المدائن و اصطخر و فتح كنوز كسرى.
[١] النجد: ما أشرف من الأرض، و هو في بلاد العرب أعلاه: تهامة و اليمن، و أسلفه العراق و الشام، و أوله من جهة الحجاز ذات عرق- القاموس-.
[٢] الغور: ضد النجد، و المعنى ثبت الإسلام و استقر في الجبال و السهول و الوديان.