دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٤٢٣ - الفصل الثاني و العشرون في ربوّ الطعام بحضرته و في سفره لإمساسه بيده و وضعها عليه
الذي يخرجون منه، فمر بي أبو بكر فسألته عن آية من كتاب اللّه تعالى، ما سألته إلا ليستتبعني، فمرّ و لم يفعل، ثم مرّ بي عمر فسألته عن آية من كتاب اللّه تعالى، و ما سألته إلا ليستتبعني، فمرّ لم يفعل، ثم مرّ بي أبو القاسم (صلى اللّه عليه و سلم) فتبسم و عرف ما في نفسي و ما في وجهي، ثم قال: يا أبا هريرة، قلت: لبيك يا رسول اللّه، قال: إلحق ثم مضى، و اتبعته فدخل، و استأذنت فأذن لي فدخلت، فوجد لبنا في قدح، فقال: من أين هذا اللبن؟ قالوا أهداه لك فلان أو فلانة، فقال أبا هرّ فقلت: لبيك يا رسول اللّه، قال: إلحق إلى أهل الصّفة فادعهم، قال و أهل الصّفة أضياف الإسلام، لا يأوون إلى أهل و لا مال، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم و لم يتناول منها شيئا، و إذا أتته هديّة أرسل إليهم و أصاب منها و أشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: و ما هذا اللّبن في أهل الصّفة؟ كنت أرجو أن أصيب من هذا اللّبن شربة أتقوّى بها أنا و الرسول، فإذا جاؤوا أمرني فكنت أنا أعطيهم، و ما عسى أن يبلغني من هذا اللّبن، و لم يكن من طاعة اللّه و طاعة رسوله بدّ، فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا حتى استأذنوا، فأذن لهم، و أخذوا مجالسهم من البيت، فقال: يا أبا هريرة، قلت: لبيك يا رسول اللّه، قال: خذ و أعطهم، فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يردّ عليّ القدح فأعطيه آخر فيشرب حتى يروى، ثم يردّ عليّ القدح، ثم أعطيه آخر فيشرب حتى يروى، ثم يرد عليّ القدح حتى انتهيت إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قد روي القوم كلّهم، فأخذ القدح فوضعه على يده و نظر إليّ و تبسّم (صلى اللّه عليه و سلم) و قال: أبا هرّ، قلت: لبيك يا رسول اللّه، قال: بقيت أنا و أنت، قلت: صدقت يا رسول اللّه، قال: فاقعد و اشرب، فقعدت فشربت، فقال:
إشرب، فشربت، فقال: إشرب، فشربت، فما زال يقول: إشرب، فأشرب حتى قلت: لا و الذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكا، ثم أعطيته القدح فحمد اللّه و سمى و شرب الفضلة (صلى اللّه عليه و سلم).