الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٤٠٢
ثمّ كتب كتابا آخر: من اتهمتموه و لم تقم عليه البيّنة فاقتلوه. فقتلوهم على التهم و الظن و الشبهة تحت كلّ كوكب، حتى لقد كان الرجل يسقط بالكلمة فتضرب عنقه.
و لم يكن ذلك البلاء في بلد أكثر و لا أشدّ منه بالعراق و لا سيّما الكوفة، حتى إن الرجل من شيعة علي و ممّن بقي من أصحابه بالمدينة و غيرها يأتيه من يثق به فيدخل بيته، ثمّ يلقي عليه سرّه فيخاف من خادمه و مملوكه، فلا يحدّثه حتى يأخذ عليه الأيمان المغلّظة ليكتمن عليه.
و جعل الأمر لا يزداد إلا شدّة، و كثر عددهم، و أظهروا أحاديثهم الكاذبة في أصحابهم من التزوير و البهتان، فنشأ الناس على ذلك، و لا يتعلّمون إلّا منهم، و مضى على ذلك قضاتهم و ولاتهم و فقهاؤهم.
و كان أعظم الناس في ذلك بلاء و فتنة القرّاء المراؤون المتصنعون الذين يظهرون لهم الحزن و الخشوع و النسك، و يكذبون و يعلّمون الأحاديث؛ ليحظوا بذلك عند ولاتهم، و يدنوا [بذلك] [١] مجالسهم، و يصيبوا بذلك الأموال و القطائع و المنازل، حتى صارت أحاديثهم تلك و رواياتهم في أيدي من يحسب أنها حقّ و أنّها صدق، فرووها و قبلوها و تعلّموها، و أحبّوا عليها و أبغضوا، و صارت بأيدي الناس المتدينين الذين لا يستحلّون الكذب و يبغضون عليه أهله، فقبلوها و هم يرون أنّها حق، و لو علموا أنّها باطل لم يرووها و لم يتدينوا بها. فصار الحق في ذلك الزمان باطلا، و الباطل حقا، و الصدق كذبا، و الكذب صدقا.
و قد قال رسول اللّه ٦: «لتشملنكم فتنة يربو فيها الوليد و ينشأ فيها الكبير، يجرى الناس عليها و يتخذونها سنّة، إذا غيّر منها شيء قالوا: أتى الناس منكرا غيّرت السنّة».
[١] من المصدر، و في النسختين: لذلك.