الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ١١٨ - ٤٧ درّة نجفيّة في معنى قوله
الآخرة و انصرافه عن الدنيا، و ذلك يشتد بشغل الجوارح في الطاعات و كفها عن المعاصي؛ فإن بين الجوارح و القلب علاقة شديدة يتأثر كل منهما بالآخر، كما إذا حصل للجوارح آفة سرى أثرها إلى القلب فاضطرب، و إذا تألم القلب لخوف مثلا سرى أثره إلى الجوارح فارتعدت. و القلب هو الأمير و المتبوع، و الجوارح كالرعايا و الأتباع.
و المقصود من أعمالها: حصول ثمرة للقلب، فلا يظن أن في وضع الجبهة على الأرض غرضا من حيث إنه جمع بين الجبهة و الأرض، بل من حيث إنه بحكم العادة يؤكّد صفة التواضع في القلب؛ فإن من يجد في نفسه تواضعا إذا استعان بأعضائه و صوّرها بصورة المتواضع تأكّد بذلك تواضعه، و أما من يسجد غافلا عن التواضع و هو مشغول القلب بأغراض الدنيا فلا يصل من وضع الجبهة على الأرض أثر إلى قلبه، بل سجوده كعدمه؛ نظرا إلى الغرض المطلوب منه. فكانت النيّة روح العمل و ثمرته و المقصد الأصلي من التكليف به، فكانت أفضل. و هذا قريب بما تقدّم من كونها من أعمال القلب.
و منها أن النيّة ليست مجرّد قولك عند الصلاة أو الصوم أو التدريس: اصلّي أو أصوم أو ادرّس قربة إلى اللّه، ملاحظا معاني هذه الألفاظ بخاطرك، و متصورّا بقلبك. هيهات إن هذا تحريك لسان و أحاديث نفس، و إنّما النيّة المعتبرة انبعاث النفس و ميلها و توجهها إلى ما فيه غرضها و مطلبها إمّا عاجلا و إمّا آجلا. و هذا الانبعاث و الميل إذا لم يكن حاصلا لها لا يمكنها اختراعه و اكتسابه بمجرّد النطق بتلك الألفاظ، و تصوّر تلك المعاني، و ما ذلك إلّا كقول الشبعان: أشتهي الطعام و أميل إليه، قاصدا حصول الميل و الاشتهاء. و كقول الفارغ: أعشق فلان و احبه و أنقاد إليه و اطيعه. بل لا طريق إلى اكتساب صرف القلب إلى الشيء و ميله إليه و إقباله عليه إلّا بتحصيل الأسباب الموجبة لذلك الميل و الانبعاث و اجتناب