الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٩٢
و ينفرد بعزلته في هذه الفترة سبط يهودا، الذي تبوّأ موقع القيادة في مملكة داود و سليمان، و من اسمه اشتقت كلمة اليهودية، حيث كان يتجول بعيدا في النقب الشمالي- الشرقي.
و بعد موت الفرعون مرنفتاح (١٢٢٤- ١٢١٦ ق. م. تقريبا)، تدهورت أوضاع السلطة المصرية في أرض- كنعان. و بعد فترة (بداية القرن الثاني عشر قبل الميلاد)، استعاد رعمسيس الثالث بعض النفوذ المصري الضائع فيها. و تفيد سيرته الذاتية أنه تغلب على الفلسطيين، و ألزمهم الاستيطان في السهل الساحلي الجنوبي، و ربطهم بخدمته الخاصة. و من هنا، أصبح الفلسطيون يعتبرون أنفسهم البديل للحكام الكنعانيين، و لاحقا، و بعد تضعضع السلطة الفرعونية، نصّبوا أنفسهم الخلفاء الشرعيين للحكم المصري في أرض- كنعان. و راح هؤلاء يثبتون سلطتهم، و يتوسعون في الاتجاهات المتعددة، فاندلع صراع مثلث الجوانب- فلسطي و كنعاني و إسرائيلي- كان الكنعانيون أول الخاسرين فيه. فبفضل تفوقهم بالسلاح، و روحهم القتالية العالية، استطاع الفلسطيون التغلب في الساحل الجنوبي على الكنعانيين، الذين كانوا خاضعين للسيادة المصرية منذ قرون.
أمّا في الداخل، فقد اندلع الصراع بين القبائل الإسرائيلية و المدن الكنعانية من جهة، و بين تلك القبائل و الوحدات السياسية التي قامت شرقي الأردن، من جهة أخرى. فهذه الوحدات أيضا سعت للإفادة من تهاوي السلطة المصرية، و التمدد في المناطق الخصبة غربي النهر. و إزاء الخطر الإسرائيلي، تشكل ائتلاف بين المدن الكنعانية، بقيادة ملك حاصور- يابين. و لذلك، اضطرت القبائل الإسرائيلية في الشمال و الوسط إلى التحالف بين بعضها البعض، و حققت نصرا على الكنعانيين في معركتين حاسمتين: الأولى في تعنك، في مرج ابن عامر، و الثانية في الحولة، بالقرب من حاصور، الأمر الذي وضع حدّا لهذه المملكة الكنعانية القوية، في نهاية القرن الثاني عشر قبل الميلاد.
إن انهيار الائتلاف الكنعاني، و بالتالي بروز القبائل الإسرائيلية كقوة رئيسية في المنطقة الجبلية من فلسطين، وضعا تلك القبائل بين فكي كماشة. فمن الغرب، راح الفلسطيون يزيدون في ضغطهم بهدف التوسع من الساحل الجنوبي في اتجاه الشمال و الشرق. و في الشرق، ارتفعت حدة الصراع مع الوحدات السياسية التي كانت في مرحلة الانتقال من البداوة إلى الاستقرار، و البحث عن مجال حيوي من الأراضي الخصبة غربي النهر. و قد اضطر ذلك القبائل الإسرائيلية إلى توثيق التحالف بينها، و التوجه نحو تنصيب قيادة موحدة عليها، و لكن من دون الوحدة الاندماجية. و بناء