الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٩٤
و سينخرطون هم أنفسهم في صفوف الحركة الصهيونية في الوقت الملائم. لكن تكهنات وايزمن لم تتحقق كما كان يتوقع، و تبني بريطانيا للمشروع الصهيوني لم يحرك بين يهودها موجة من الهجرة إلى فلسطين.
إلّا إنه بعد وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، و إقرار ذلك في عصبة الأمم، و بالتالي تصاعد وتيرة النشاط الصهيوني في فلسطين، تغلبت المنظمة الصهيونية العالمية على المعارضة اليهودية لها، و أصبحت تنطق باسم اليهود أينما كانوا، بغض النظر عن رأيهم في الموضوع. و راحت هذه المنظمة تقدم نفسها على الصعيد الدولي ممثلة ليهود العالم، و جرى الاعتراف بها على هذا الأساس على نطاق دولي واسع و مؤثر. و برزت المنظمة الصهيونية البريطانية بزعامة وايزمن، متحالفة مع التيار الصهيوني العملي، الذي راح يتولى قيادة الاستيطان الفعلي في فلسطين. و بنى وايزمن استراتيجية عمله على محور لندن- واشنطن، إذ استغل موقعه على رأس المنظمة الصهيونية في لندن، لتوسيع نطاق تأثيره و شبكة علاقاته على الساحة الأميركية، مجيّرا هذه العلاقات لتطوير موقعه و تقويته في لندن، و توظيف ذلك كله في خدمة توطيد أركان الاستيطان في فلسطين. و مع ذلك، فإن النجاح السياسي الذي حققه وايزمن، و حتى على الساحة الأميركية، متجاوزا براندايس، ظلت تنقصه الترجمة العملية على الأرض، بما يعطي الصدقية للمشروع الصهيوني، و يبرّر الدعم الإمبريالي له.
و في إطار «الهجوم من أعلى»، تقدمت المنظمة الصهيونية، بعد تأمين الشق الإمبريالي من مشروعها، إلى بناء الشق اليهودي- الاستيطاني. فعمدت إلى تشكيل الهيئات و المؤسسات الضرورية لتهويد فلسطين، و تحويلها إلى «وطن قومي يهودي»، و ذلك على الصعد الثلاثة- السلطة و الشعب و الأرض. و لأن الحركة الصهيونية كانت مفبركة و مصطنعة، فقد انطلقت من تشكيل السلطة، خلافا لتبلور الكيانات السياسية في عصر القوميات. و قد بدأ ذلك في المؤتمر الصهيوني الأول (بازل ١٨٩٧ م)، إلّا إن الأوضاع بعد الحرب أصبحت تتطلب تطويرا للهيئات الصهيونية السلطوية. و كان من أولويات هذه السلطة تكوين قاعدة شعبية لها، إذ إنها لم تنشأ في أوساط التجمعات اليهودية، بل هبطت عليها من أعلى. و كذلك، كان على تلك السلطة أن تغتصب رقعة الأرض التي تنوي إقامة كيانها السياسي عليها، إذ إنها تبلورت في كواليس المراكز الإمبريالية، و ليس في فلسطين. و هذه الخصائص الأساسية للحركة الصهيونية، هي التي تسم مشروعها الاستيطاني بالإمبريالية و العنصرية، و خصوصا أنه يقوم على تغييب أهل البلد الأصليين و إجلائهم عن وطنهم، و قطع صلتهم التاريخية به.