الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٤٠٩
توفرت منذ البداية، إذ راح الانتداب و الاستيطان يحثان الخطى نحو تغييب العرب الفلسطينيين عن وطنهم، كضرورة لتحقيق الهدف المعلن لهما- تحويل فلسطين إلى «وطن قومي يهودي». و كان طبيعيا أن يرفض الفلسطينيون ذلك، و أن يقاوموه بما لديهم من طاقة على الفعل. و على هذا الصعيد، لم تتوفر لهذا الجزء من الأمة العربية، الذي عزل عن عمقه الاستراتيجي بالتقسيمات الاستعمارية للوطن العربي بعد الحرب، المقومات الذاتية لإشعال الثورة. و إذ كانت حالة الوعي لأخطار المشروع الصهيوني متقدمة، فإن أوضاع الشعب الفلسطيني السياسية و الاجتماعية بعد الحرب، لم تكن مهيّأة لإدارة صراع مع الاستيطان و الانتداب، بالمستوى نفسه من الحدة، الذي يتوازى مع درجة احتدام التناقض المتولد من الجمع بين هذه الأضداد في وحدة صراعية.
و لأن حكومة الانتداب لم تتطابق في أسلوب عملها تماما مع الوكالة اليهودية، و ذلك لحسابات بريطانيا الإقليمية و الدولية، بينما الوكالة تستعجل وضع يدها على فلسطين من دون أن تكون مهيّأة لذلك، فقد اتخذ الصراع المثلث الجوانب آلية معينة، راحت تتكرر بحركة لولبية متصاعدة نحو الاحتدام و انفجار الثورة العربية (١٩٣٦ م). فإزاء المقاومة العربية للهدف المشترك بين الانتداب و الاستيطان، سلكت حكومة الانتداب سبيل التطويع السياسي المتأني، في مقابل النهج الذي اعتمدته الوكالة اليهودية، و الذي يطالب حكومة الانتداب بفرض المشروع الصهيوني قسرا على الفلسطينيين. و عندما لم تستجب هذه الحكومة لمطالب الوكالة، كانت العلاقة تتوتر بينهما مرحليا، فتهدأ المقاومة العربية مرحليا أيضا، ثم لا تلبث أن تتصاعد عند ما يعاود الحليفان نشاطهما لتحقيق خطوة جديدة على طريق التهويد. و عندها، تتراجع حكومة الانتداب تكتيكيا، فتندفع الوكالة اليهودية قلقة على مصير مشروعها، و تتحرك على الصعيد الدولي، و خصوصا على محور لندن- واشنطن، بينما تتوصل القيادة الفلسطينية، إلى تفاهم ما مع حكومة الانتداب، و تهدأ الأوضاع مرحليا، و هكذا دواليك.
و لكن مع بداية الثلاثينات، راح الوضع يتفاقم نتيجة صعود النازية في ألمانيا، و بالتالي ازدياد حركة الهجرة اليهودية إلى فلسطين بالوضعين، الشرعي و غير الشرعي.
فعمّ التململ جميع أنحاء فلسطين، و أعلن الإضراب العام الذي دام ستة أشهر، و بالتالي اندلعت الثورة المسلحة (١٩٣٦ م)، التي استمرت حتى إعلان الحرب العالمية الثانية (١٩٣٩ م). و في الأعوام العشرين الفاصلة بين الحربين العالميتين، تبلورت الملامح الرئيسية للمشروع الصهيوني. فقد شكلت أجهزة الحكم الذاتي اليهودي، إضافة إلى هيئات الوكالة اليهودية في لندن و فلسطين. و كذلك أنشئت المؤسسات الاستيطانية التي تغطي جميع نواحي العمل اللازم لتهويد فلسطين. لكن