الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٣
تضبط العلاقة بين أفراد الجماعة، و كذلك العلاقة بين الأفراد و رقعة الأرض التي يسيطرون عليها، و أيضا العلاقة بالجماعات المجاورة، أي حكومة بدائية. و الأكيد أنه مع توفر الفائض من الإنتاج المادي، فتح الباب على التجارة، أكان ذلك داخل الجماعة أم بين الجماعات المتجاورة، القريبة منه أولا، ثم البعيدة، و التي اتخذت بالضرورة صيغة التبادل البضاعي.
و من مجمل ما يتوفر لدينا من معلومات عن هذا العصر يتضح أنه كان إبداعيا في نواح عدة. فحياة الاستقرار و الزراعة أصبحت أكثر رقيّا، و تطلبت أنواعا جديدة من الأدوات المصنوعة بتقنيات أعلى؛ كما أن حياة الجماعة استلزمت المزيد من التخصص و التنظيم، سواء على مستوى الفرد أو المجموع. أمّا فائض الإنتاج فقد حفز التجارة، و بالتالي التواصل بين الجماعات، و ما ينجم عنه من تبادل الخبرات و انتشار المبتكرات. كل ذلك تواكب بالضرورة مع صوغ المؤسسات و تطويرها لتلبي حاجات الجماعة الداخلية و الخارجية. و مع المؤسسات جاءت مجموعة القيم- الأيديولوجيا- و المعتقدات بشأن الكون المحيط و الديانة و الحقوق و الواجبات، و بالتالي القانون و الحكومة و الدولة.
و إذ شكّل مجتمع النيوليت نقلة نوعية في حياة الإنسان، لكنه حتما لم يكن نهاية المطاف، إنما على العكس، كان أقرب إلى خط البداية في تشكّل الحضارات القديمة. و كما في كل البدايات، لم تكن العملية سهلة. فنمط الحياة الجديد تطلب مزيدا من النشاط و العمل، كما استلزم درجة أعلى من التخطيط و البرمجة، و بالتالي المعرفة. فالخروج إلى الصيد في الموسم شيء، و العناية بالقطيع المدجّن: من رعي و سقي و مراقبة و حراسة و عناية ... إلخ، شيء آخر. كما إن التوجه إلى مواقع نمو النباتات البريّة في الموسم لحصادها و جمع محاصيلها، هو غير زرع بذورها و تولي العناية بها حتى تؤتي ثمارها. و بالنتيجة، سواء كان ذلك عن وعي مسبق، أو من خلال الاستيعاب بالتجربة و الخطأ أو بالتخطيط أو بالمصادفة، فقد فرضت الحياة الجديدة الكثير من البرمجة لضبط إيقاعها، الأمر الذي استوجب تراكما معرفيا متزايدا.
و مع ارتقاء المجتمعات تنوعت النشاطات، فكان لا بدّ من تقسيم العمل: زراعة و صناعة و تجارة، حتى و إن لم ترسم بينها حدود بيّنة. و مع التخصص ارتفع مستوى التقنيات، و مع تنوع النشاطات في إطار وحدة الجماعة، كان لا بدّ من تنظيم العلاقات بين الأفراد و الجماعات، و من وضع الأسس للأعراف و القوانين، و بالتالي صوغ الأيديولوجيا و المعتقدات. كل ذلك استوجب من إنسان النيوليت استغلال طاقاته الذهنية ليكون بقدرته الاستجابة للتحديات، الأمر الذي تمخض عن تراكم معرفي.