الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ١٦٩
فرصة مواتية لاستعادتها. و حتى عندما أصبحوا في موقع الدفاع على الجبهة البرية، و أوغلت غارات المسلمين في آسيا الصغرى وصولا إلى مشارف القسطنطينية، ظل البيزنطيون سادة البحر، يهددون بأسطولهم الضخم مدن الساحل السوري و المصري.
و إزاء تصميم أباطرة بيزنطة هذا، لم تعد السياسة الدفاعية التي اتبعها معاوية، ببناء التحصينات و إقامة الحراسات و الدفاعات، تنفع في وجه الغارات البيزنطية. فعمد معاوية إلى تبنّي سياسة هجومية، و راح يبني أسطولا بالتعاون مع والي مصر، ثمّ أخذ يهاجم قواعد الأسطول البيزنطي في شرقي البحر الأبيض المتوسط (قبرص)، و في جزر بحر إيجة (كريت)، وصولا إلى معركة ذات الصواري البحرية سنة ٦٥٥ م، التي دمر فيها أسطول معاوية البحرية البيزنطية.
و يلفت النظر أنه بينما كان معاوية منخرطا في الصراع المصيري مع البيزنطيين، من موقعه في ولاية الشام، كانت الفتنة تطل برأسها في الولايات الأخرى جميعها.
و في عام ذات الصواري (٦٥٥ م)، و معاوية يبني جيوش الشام، بقيادة نخبة لامعة من الأمراء، في البر و البحر، خرجت جماعات من الأمصار، فيها عدد من أبناء الصحابة الأولين، إلى المدينة لخلع الخليفة عثمان بن عفان، فرفض الخليفة و قتل. و كان معاوية، استنادا إلى قاعدته الصلبة في الشام، و إلى تطلعاته الذاتية لخلافة عثمان، قد دعا الخليفة الشيخ إلى مغادرة الحجاز و القدوم إلى دمشق. و بعد مقتل عثمان، انقسم الناس بين مؤيد للخليفة الجديد، علي بن أبي طالب، و معارض له، و ذلك في الولايات جميعها، حتى في الحجاز، ما عدا بلاد الشام. فقد وقفت قبائل الشام إلى جانب معاوية، و نفرت معه لمقاتلة المتهمين بدم عثمان. و بذلك عزز معاوية موقع ولايته كمركز للدولة الإسلامية بدلا من المدينة المنورة، التي اضطر عليّ أيضا إلى مغادرتها بسبب الفتنة، و بالتالي إلى الاقتتال بين المسلمين أنفسهم.
و بصورة ما، تحوّل النزاع بين عليّ و معاوية إلى صراع بين الشام و العراق، إذ في مساره اتخذ عليّ من العراق مرتكزا له، بينما تخندق معاوية في الشام. و إذ كانت قاعدة معاوية آمنة إلى حد كبير، بالاستناد إلى القبائل اليمانية، و على رأسها قبيلة كلب، فلم يكن الأمر كذلك بالنسبة إلى عليّ في العراق. و لضرورات المواجهة الداخلية بشأن الخلافة، اضطر معاوية إلى موادعة الروم (البيزنطيين)، الذين قبلوا عرضه عليهم المهادنة، و لم يحسنوا انتهاز الفرصة لاستعادة ما خسروه من الأراضي، بسبب صراعات البلاط في القسطنطينية، و للوهن الذي أصابهم بعد الهزائم التي ألحقتها بهم جيوش معاوية الشامية. و مع ذلك، ثارت أرمينيا على الولاة المسلمين، و حققت استقلالها ثم وقعت في أيدي بيزنطة، إلى أن فرغ معاوية من الصراع