الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٧٨
و تعمل بالزراعة، و إنما ظلت على الأطراف، بين الصحراء و الخضراء، تعمل أساسا بالرعي، أو بالتجارة الدولية، عبر نقل البضائع على دوابها، أو توفير الحماية لها، أو حتى المساهمة الفعلية فيها.
في هذا الإطار، يمكن قبول النوى التاريخية للروايات التوراتية، بعد تجريدها من العنصر القصصي و الأسطوري الذي نسج حولها على مرّ العصور. فالوصف التوراتي للجماعة التي قادها إبراهيم، بخطوطه العريضة، و ما تورده الأسفار الأولى من التوراة عن علاقة تلك الجماعة ببطون أخرى من قبيلتها، ينسجم بالعام، بغض النظر عن الخاص، مع الخريطة السكانية للهلال الخصيب، في بداية الألف الثاني قبل الميلاد. فإلى جانب سكان المدن المسوّرة، التي قامت و ازدهرت في ذلك العصر، أكان ذلك في السهول، أو المروج، أو على الطرق الرئيسية للتجارة الدولية، كانت هناك عناصر بدوية متنقلة على أطراف الصحراء، و في المناطق الجبلية قليلة السكان.
و يبدو أن العبرانيين ينتمون في بداية ظهورهم في فلسطين إلى هذه العناصر.
و على افتراض أن قصة رحيل إبراهيم، و غيره من أقاربه و أبناء عشيرته، من العراق إلى فلسطين، مرورا بمدينة حرّان، ليست أسطورة من نسج الخيال، فإنها بالتأكيد لا يمكن اعتبارها تاريخا، لأن التاريخ غائب عنها تماما. و تسترعي الانتباه ظاهرة أن الشخصيات التي تركز عليها الروايات التوراتية- إبراهيم و تيرح و ناحور و لوط و إسحاق و يعقوب و حتى يوسف، لا يرد لها ذكر في المصادر الأخرى. و إذا أمكن استيعاب ذلك على أساس أن هذه الشخصيات المركزية في التوراة هي هامشية جدا بالنسبة إلى المراكز المدينية الكبرى في ذلك العصر، فإن ما يدعو إلى الاستغراب هو تعذر تعريف شخص واحد من الأسماء الواردة في تلك الروايات بثقة، بالاستناد إلى النصوص التاريخية المتوفرة.
و مشكلة أخرى تواجه الباحث في هذه الروايات، تتعلق بغياب التواريخ، و عفوية استعمال الأعداد. و على افتراض تاريخية الأحداث المذكورة في أسفار التوراة القديمة، و بناء على الوصف العام للواقع السكاني و الاجتماعي- السياسي، في مناطق تجوال إبراهيم و عشيرته، ففي الإمكان اعتبار حدوث هذه الهجرة في أية فترة خلال ألف عام، منذ سرجون الأكادي إلى الاحتلال الإسرائيلي لبعض أرض- كنعان، أي في الفترة (٢٣٠٠- ١٣٠٠ ق. م. تقريبا). و تتبلور لدى الباحثين مؤخرا نظرية تربط هجرة العبرانيين إلى فلسطين، و نزول بعضهم إلى مصر، و من ثمّ الخروج منها على دفعات، بحركة الهكسوس في بلاد الشام. و يقول البعض إن المسوحات الأثرية في شرق الأردن و جنوب فلسطين تؤيد ذلك.