الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٨٨
الرواية تثير الشكوك في صدقيتها، ليس فقط لأنها غير واقعية، و لغياب أي دليل على مضمونها، و انعدام أية إشارة لهذا الحدث في المصادر المصرية أو العراقية، و إنما أيضا لتناقضها مع روايات أخرى في التوراة ذاتها. و علاوة على ذلك، فرواية «سفر يهوشوع» غير متماسكة، و تحمل طابعا أسطوريا خياليا. و هناك خلط بالمواقع و الأسماء، و هذا يدل على أن هذه الرواية هي نوع من الصيغة الرسمية، التي جمعت بعد فترة زمنية طويلة، و من مصادر متعددة و متنوعة، على يد كتبة لا يعرفون تاريخ الفترة السابقة و لا جغرافيتها السكانية. كما أن الهدف من كل هذه العملية لدى هؤلاء الكتبة كان دينيا، و ليس تاريخيا بالأصل.
و الفكرة المركزية في قصة الخروج من مصر، بقيادة موسى، تتمحور حول التخلص من العبودية لحكم الفرعون، و ليس هدفها تحقيق «الوعد الإلهي» لإبراهيم بميراث أرض- كنعان، بحسب الدعوى التوراتية. و التيه في الصحراء مدة أربعين عاما، بين مصر و فلسطين، إنما هو دليل على غياب هدف محدد مسبق لهذا الخروج، و أن السبب المباشر له، و العامل الضاغط عليه، هو الإفلات من قبضة الفرعون. و بناء عليه، تكون فكرة دخول أرض- كنعان و الاستقرار بها تبلورت في مسار التيه في الصحراء، و عبر الاحتكاك بالقبائل الأخرى المتعددة، التي كانت في مرحلة انتقالية من البداوة إلى الاستقرار بجنوب فلسطين و شرقي الأردن. و لذلك جاء الغزو الإسرائيلي لأرض- كنعان من الشرق، متجها نحو المنطقة الجبلية الوسطى، و مترافقا مع حركة قبائل أخرى في هذا الاتجاه.
و يستدل من المصادر المصرية، و خصوصا رسائل تل العمارنة (القرن الرابع عشر قبل الميلاد)، أن منطقة الجبال الوسطى في فلسطين كانت قليلة السكان، لم تولها السلطة المركزية المصرية اهتماما في أيام السلالتين ١٨ و ١٩. و المصريون الذين لم يرغبوا في القيام بدور الشرطي في هذه المنطقة، و بالتالي لم يشحنوها بالحاميات العسكرية، و عوا الخطر الكامن في تركها مناطق تجمّع للقبائل المتمردة، فأولوا حفظ الأمن فيها إلى الحكام المحليين، الذين برز بينهم حاكما أورشليم و شيكم. و تركز دور هؤلاء الحكام على كبح العناصر البدوية من تهديد طرق التجارة الرئيسية، و إبقائها بعيدا عن المناطق الحيوية للأمن المصري على ساحل فلسطين و في جنوبها.
و منذ بداية القرن الخامس عشر قبل الميلاد، بدأت أخبار القلاقل و الاضطرابات تتوارد على البلاط الفرعوني من فلسطين و سورية، ليس بسبب تمرد الحكام، كما في بداية الألف الثاني قبل الميلاد، و إنما نتيجة نشاط عناصر بدوية غير خاضعة لسلطة أحد. و في البداية، أفادت هذه العناصر من الصراع المثلث الجوانب، بين القوى