الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٢٥
المحليين، أسوة بالمستوطنين الأوروبيين في إفريقيا. و قد حاولت هذه الشركة، عبر حاييم مرغليت كالفارسكي، شراء أراض في سهل عكا، لكن الصفقة فشلت، و ضاعت الأموال التي صرفت عليها. و مع ذلك، أقامت بيكا مزرعة للتدريب في الشجرة (١٨٩٩ م)، و عددا من المستعمرات، و خصوصا في الجليل الأسفل، في الفترة (١٩٠١- ١٩٠٩ م)، مثل كفار طابور و الشجرة و منحمية و يبنئيل و متسبيه و كنيرت، عملت بزراعة الحبوب. و لكن على الرغم من النجاحات المحدودة ظلت هذه المستعمرات تعاني أزمة بنيوية، تتلخص في عدم أهلية المستوطنين اليهود للعمل الزراعي، و بالتالي اعتمادهم الكلي على العمل المأجور. فأصبح هؤلاء الصهيونيون، الذين قدموا لإنشاء «دولة قومية»، عبارة عن مقاولين لدى شركة بيكا الاستثمارية، يقومون بالرقابة على العمال العرب و بيع المحاصيل، تاركين العمل الجسدي الصعب لأبناء البلد. أمّا أبناء هؤلاء المستوطنين، فلم يجدوا في الزراعة ما يلبي طموحهم، و غادروا المستعمرات إلى المدن، أو هاجروا من البلد إلى الخارج، بنسبة كبيرة.
ثانيا: الصهيونية السياسية
لما كانت الحركة الصهيونية أوروبية الجذور، سواء لناحية أسباب نشوء الفكرة، أو تبلورها، أو تطبيقها، فإن مشروعها الاستيطاني ارتبط عضويا بالنشاط الإمبريالي في المنطقة و مراحل تجلياته. و كان طبيعيا لذلك أن يواكب العمل الصهيوني، شكلا و مضمونا، سيرورة التغلغل الإمبريالي في المنطقة، و أنماط تجسيده. و بينما تمحور نشاط الدول الأوروبية في النصف الأول من القرن التاسع عشر على توسيع نفوذها في أراضي السلطنة العثمانية عبر الامتيازات، التي تغطت، بين تعبيرات أخرى، بحماية الأقليات الدينية و الطائفية، فقد بادرت تلك الدول، بداية فرنسا، ثم بريطانيا بصورة أكثر إصرارا، إلى دعوة اليهود إلى الهجرة و الاستيطان في فلسطين تحت حمايتها.
لكن ردة فعل اليهود العامة كانت متحفظة، بل معارضة، لهذه الدعوات. أمّا في النصف الثاني من ذلك القرن، فقد احتدم التنافس بين دول أوروبا، و معه تصاعدت وتيرة العمل الصهيوني، وصولا إلى نهاية القرن، إذ راحت المخططات الإمبريالية تتخذ طابعا عمليا، استعدادا لاقتسام أراضي السلطنة العثمانية، و تحول معها المشروع الصهيوني إلى برنامج عمل مخطط، على الصعيدين، الخارجي الدولي، و الداخلي اليهودي.
و بإلقاء نظرة عامة، يتضح أن دعوة نابليون إلى توطين اليهود في فلسطين، لم تحرك لديهم ردة فعل إيجابية، بقدر ما حركت طروحات مثيلة في أوساط سياسية