الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٥٣
و الأكيد أن تعاقب وصول هذه الجماعات إلى السلطة، بل غلبتها على غيرها و الهيمنة على الآخرين، في هذه المنطقة أو تلك، لا يعكس بالضرورة تراتبية هجرتها زمنيا إلى المنطقة، أو حتى دخولها و التوغل فيها حربا، و بالتالي الاستيلاء بالقوة على السلطة. فجميع الدلائل المتوفرة تشير إلى أنه منذ أقدم العصور، عاش السومريون في خلف و العبيد، جنبا إلى جنب مع شعوب و جماعات أخرى، تتباين عنهم لغويا و حضاريا، أطلق عليها الباحثون اسم الشعوب السامية. ف «أكاد» ذاتها مأخوذة من اسم عاصمة ملكهم، و كذلك الحال بالنسبة إلى أشور و بابل و غيرهما.
و في غياب الوثائق التاريخية، تبقى الفجوات تعتور معرفتنا بعلاقة الشعوب بعضها ببعض و التي ترد أسماؤها أو كناها، في المصادر اللاحقة، أي علاقة الأكاديين بالأشوريين و العموريين و الكنعانيين و الأراميين و العبرانيين ... إلخ. غير أنه مهما كانت أصول هذه الجماعات التي أقامت المدن الأولى بفلسطين في هذا العصر، فالمعلومات الواردة إلينا، أكانت من العراق أو مصر، تؤكد أنه على المستوى الحضاري، لم يكن سكان بلاد الشام أقلّ رقيّا. و قد زوّدت المدن في هذه المنطقة، بما فيها فلسطين، الممالك التي قامت في بلاد الرافدين و وادي النيل، أكان ذلك عبر التجارة أو الجزية، بالأخشاب و المعادن و غيرهما من المواد الأولية، كما زودتها بالمصنوعات المتعددة كالعاجيات و سواها و بالمنتوجات الزراعية كالنبيذ و زيت الزيتون.
و تفيد الوثائق المسمارية أن السومريين كانوا يطلقون اسم عمورو أو أمورو على قبائل إلى الغرب من الفرات، لم تكن مستقرة تماما. و كانوا يسمون جبل بشري (باسار)، في بادية الشام، مرتفعات العموريين، إذ كانت تلك النقطة خط التماس بين منطقة نفوذ الدولة المركزية و سيطرة تلك القبائل. و لعل قلعة مدينة ماري العظيمة، و التي تحولت إلى حامية متقدمة للحضارة السومرية- الأكادية، حتى قبل عصر سرجون الأول، قد أقيمت للتصدي لهذه القبائل، في الشمال الغربي، كما أقيمت قلعتا لا جاش و أوما في مواجهة القبائل الإيرانية في الجنوب الشرقي. و مع الزمن، أصبح مصطلح عمورو (أمورو) يعني كل ما هو غرب الفرات، جغرافيا و بشريا.
و من هنا، فمحاولات الباحثين إعادة بناء تاريخ فلسطين في هذه الفترة، و من مصادر متعددة- أثرية أو منقوشة أو مكتوبة- تبقى مليئة بالفجوات. و مع ذلك، يتضح أن العموريين أدّوا دورا رئيسيا فيه. و الإشارات إليهم ترد في الكتابات السومرية- الأكادية، و يدّعي بعض ملوكهم أنه حارب قبائل عمورو و انتصر عليها. و أول من ادّعى ذلك هو ملك الوركاء (أوروك)، و اسمه لوجال زاجيسي، الذي يتفاخر بأنه فتح البلدان