الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٨٩
الحاكمة في كل من العراق و أناضوليا و مصر. أمّا بعد عقد معاهدة السلام بين الحثيين و المصريين، فقد استغلت تلك العناصر ضعف الطرفين نتيجة الحروب التي استنزفت قواهما. و كانت المنطقة الجبلية في وسط فلسطين نقطة الضعف في ولاية كنعان المصرية، و لا غرو أن الاستيطان الإسرائيلي بدأ هناك.
لقد تميّز المصريون القدماء عموما بنظرة من الاحتقار إلى الجماعات غير المستقرة، و التي لا يمكن السيطرة عليها و تنظيمها. و أطلقوا عليها أسماء تعبر عن شيء من الدونية مثل العابيرو و الشاسو. و هذه الكنى موجودة في الوثائق المصرية من أيام السلالة ١٨، و خصوصا رسائل تل العمارنة، التي تعود إلى النصف الأول من القرن الرابع عشر قبل الميلاد. و بينما تشير هذه المصادر إلى أن أمكنة تجمع هذه الأقوام كانت في شرقي الأردن خلال القرن الخامس عشر قبل الميلاد، فإننا نجدها غربي النهر في القرن الذي يليه. و الظاهر أن الحكام المحليين، في صراعاتهم المستمرة، و كذلك الحاميات المصرية المعزولة، استعملوا هذه الجماعات كمرتزقة.
و باختلال حبل الأمن، و وهن يد السلطة المركزية خلال القرن الرابع عشر قبل الميلاد، راحت هذه الجماعات تفرض وجودها بالقوة.
و خلال فترة طويلة، كما تفيد المصادر المصرية، ظل الشاسو يشكلون عنصر إزعاج على أطراف حدود ولاية كنعان المصرية، و بالتالي مصدر قلق للسلطات المصرية و حكام المدن الكنعانية، للخطر الذي شكلوه على طرق التجارة. و في نهاية السلالة ١٨، اندفعوا غربا عبر النقب الشمالي إلى سيناء و قطعوا طريق البحر. و مع أن سيتي الأول (١٣٠٩- ١٢٩٠ ق. م.) طردهم، و تقدم لفك الحصار الذي فرضته جماعات أخرى منهم على الحامية المصرية في بيسان، فمن الواضح أنه لم يخضعهم و لم يردعهم عن العودة إلى نهجهم بالتغلغل في أرض- كنعان بعد انسحابه منها.
و الأكيد أن الشاسو أفادوا من انشغال الفرعون بقتال شعوب البحر، و وسعوا من تمددهم في المناطق الريفية و الجبلية و الصحراوية، مستغلين عجز الحكام المحليين عن ضبطهم.
و رسائل تل العمارنة (أرشيف أخناتون) هي في الأغلب مخاطبات متبادلة بين بلاط الفرعون و حكام المدن الكنعانية الخاضعة له، و هي تعالج الوضع الأمني و الفوضى المستشرية نتيجة نشاط العابيرو (الشاسو)، و فيها اتهامات متبادلة بين هؤلاء الحكام بدعوى التعاون مع العابيرو، الذين يريدون الاستيلاء على «بلاد السيد الملك». و عدا ذلك، تعالج الرسائل قضايا إدارية- اقتصادية، مثل أداء الضرائب و التطويع لأعمال الملك، و أمن القوافل التجارية و إصلاح الطرق. و مع أن ملوك