الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٦٢
الجيش. و إزاء هذا النصر الباهر، تحركت الدول الأوروبية، و توسطت للصلح في معاهدة كوتاهية في أيار/ مايو ١٨٣٣ م، التي بموجبها اعترف السلطان محمود الثاني بحكم محمد علي الوراثي في مصر، و في بلاد الشام و أضنة. و أعاد إبراهيم تنظيم البلاد، فقسمها إلى مديريات كالتالي: حلب و طرابلس و أضنة و معها طرسوس و صيدا و معها عكا و القدس و نابلس و يافا و غزة. و نصّب على كل منها مديرا بإمرة شريف باشا، صهر محمد علي، و بإشرافه هو كونه قائد الجيش، و ولي العهد.
و غداة الاحتلال، وعد إبراهيم باشا سكان بلاد الشام بالأمن و العدل، و سعى للوفاء بوعده. فعمد إلى تنظيم البلاد و تطويرها. و نقل إليها التنظيمات الإدارية و الاقتصادية التي أدخلها والده إلى مصر. لم يصادر الأراضي، و لكنه احتكر تسويق القطن و الحرير، و ركز في أيدي السلطة الإنتاج الزراعي و الحرفي، و كذلك السيطرة على التجارة. و في البداية تمخضت إجراءاته عن تشجيع الاقتصاد و ضبط الأمن و استقرار الضرائب، الأمر الذي أدّى إلى ازدهار لم تشهده البلاد منذ زمن. و ترك إبراهيم باشا السلطة في جبل لبنان بأيدي الأمراء الشهابيين، و تعامل معهم بخصوصية، إذ تطلع إلى استخراج الفحم و الحديد من جبل لبنان، كما أراد استغلال غابات الأرز لإعادة بناء الأسطول المصري، الذي دمر بالكامل تقريبا في معركة نفارينو. لكن «شهر العسل» بين إبراهيم و سكان بلاد الشام لم يطل، و سرعان ما تواترت الثورات ضده، و خصوصا في المنطقة الوسطى من فلسطين، كما تألّبت دول أوروبا عليه.
فمشروع محمد علي في مصر، كما في بلاد الشام و الجزيرة العربية، و كذلك العراق الذي خطط لضمه، كان يتناقض قطبيا مع مشاريع دول أوروبا الاستعمارية، و خصوصا بريطانيا. و عندما راح محمد علي يوطد علاقاته مع فرنسا، و يستعين بخبرائها على تطوير الأراضي الواقعة تحت حكمه، و تحديث الإدارة و الجيش في دولته، زاد قلق بريطانيا منه، و ناصبته العداء. فبريطانيا رأت في قيام دولة قوية في مصر، ترث السلطنة العثمانية المتهاوية، و تسيطر على شرق البحر الأبيض المتوسط، و البحر الأحمر و الجزيرة العربية، و تتطلع إلى الهيمنة على الخليج العربي، تهديدا لمصالحها، و خصوصا لمواقعها الاستراتيجية على شريان المواصلات الحيوي بالنسبة إليها- الطريق إلى الهند و الشرق الأقصى. و لما رفض محمد علي القبول بالمعاهدة التجارية المبرمة بين بريطانيا و السلطنة العثمانية (١٨٣٨ م)، و التي منحت بريطانيا الحق في بيع بضائعها المصنعة بأغلى الأثمان في أراضي السلطنة، بينما تشتري هي المواد الخام منها بأبخس الأسعار، عمدت بريطانيا إلى استغلال الفرص، و إثارة