الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣١٤
الخارجية عليه، يؤدي إلى الاستنتاج أن الفكرة القائمة وراء إنشاء الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي، هي أن يشكّل مركزا إقليميا مضادا للحركة القومية العربية، يتخذ شكل «الثكنة» الاستيطانية، و يكون قاعدة متقدمة لخدمة المصالح الإمبريالية في مواجهة حركة شعوب المنطقة. و بذلك تكون «القاعدة» الاستيطانية الصهيونية مكملة في دورها الوظيفي للمهمات التي أنيطت بالقواعد العسكرية، متعددة الأنواع و الصيغ، التي أقيمت على امتداد الوطن العربي، و على طول الطرق المؤدية إليه. و هذا الدور الوظيفي للمشروع الصهيوني هو مبرر وجوده، على الأقل من وجهة نظر المراكز الإمبريالية التي رعته، و جعلت تجسيده واقعا على الأرض ممكنا، و بالتالي فهو الأساس في صوغ هذا المشروع و كينونته.
و إذا كان هذا هو الجوهر في المشروع الصهيوني، فمن الطبيعي أن يكون مجال نشاطه في أدائه لدوره الوظيفي خارج حدود استيطانه. فالثكنة، التي هي امتداد للمركز، ترمي إلى إقامة قاعدة آمنة لآلة عسكرية، يكون دورها العدواني في محيطها.
و الحركة القومية العربية، النقيض الأساسي للمشروع الإمبريالي في المنطقة، و بناء عليه، المستهدفة للضرب و التطويع، لم يكن مركزها في فلسطين، و إنما في العواصم العربية الكبيرة. و من هنا، فالتصدي لها لا يتم داخل الرقعة الاستيطانية، و لا عند حدودها فحسب، بل يتعدى ذلك إلى تلك العواصم ذاتها، حيث يجري التعبير عن حركة الجماهير المكافحة من أجل أهدافها القومية. و بناء عليه، يكون دور «الثكنة» (المركز الإقليمي المضاد)، و بصور متعددة: أيديولوجية و اقتصادية و سياسية و عسكرية، المساهمة في عملية التحكم في المسارات السياسية في تلك العواصم. و من هنا، يبرز المبرّر الأساسي لإقامة المشروع الصهيوني، و جعل فلسطين قاعدة آمنة له بالاستيطان، و بالتالي تهويد فلسطين- الأرض و الشعب و السوق- هو قيام هذا المشروع بدور في التصدي للحركة القومية العربية و إحباط نضالها ضد الاستعمار و مصالحه في المنطقة.
و في إطار المسألة الشرقية، كانت المراكز الإمبريالية تعي أن مشاريعها تصطدم بالمصالح الحيوية للأمة العربية. و بناء عليه، كان لا بدّ من أن تبرمج عملها، و تضع خططها، و تبني أدواتها اللازمة، لإحباط نضال الحركة القومية العربية، المعبرة عن مصالح جماهير الأمة في الاستقلال و الوحدة و التقدم الاجتماعي. و من هنا، رعت تلك المراكز، و كل منها في حينه، المشروع الصهيوني بعناية، ليشكل القاعدة المتقدمة في عملية التصدي لنضال الحركة القومية العربية، و إحباطه. و لو لا هذه الرعاية، لما قام المشروع الصهيوني، بل لعله ما كان تبلور كفكرة أصلا، إذ لا يمكن