الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٨٨
حركة الأطراف. و هذه الحركة كانت بطبيعة الحال محكومة بالأهداف التي يرمي إليها كل طرف منخرط في الصراع، من جهة، و باعتبارات الواقع المتشكل من الجمع بين تلك الأطراف في وحدة صراعية متحركة، من جهة أخرى. و سيرورة هذا الصراع محكومة بقدرة كل واحد من أطرافه على تجسيد أهدافه في الواقع المتطور. فحكومة الانتداب، و إذ كان تجسيد وعد بلفور أحد أهم مرتكزات حركتها السياسية، فقد كانت لها اعتبارات خاصة، إقليمية و دولية، وضعت بعض الضوابط على اندفاعها في دعم المشروع الصهيوني من دون النظر إلى حساب الكلفة و المردود. و الحركة الصهيونية، و إن راحت تبلور أهدافها، و تصوغ مؤسساتها، و تسارع إلى إيجاد واقع يمهد السبيل أمامها، فقد اصطدمت بعقبات ذاتية و موضوعية، حالت دون تمكينها من تحقيق أغراضها بالسرعة المرغوبة. و الحركة الوطنية الفلسطينية، التي كانت في موقع الدفاع، لم تستطع توليد فعل كاف لصدّ الهجمة الصهيونية- الإمبريالية عليها، لكنها ردّت بأشكال متعددة من النضال، قطعت على الطرفين الآخرين طريق الوصول إلى أهدافهما بالسرعة التي خططا لها، و بالشكل الذي بادرا إلى تنفيذه.
و إذ لم يستطع أحد من هذه الأطراف حسم التناقض لمصلحته، و بالصيغة التي أراد، فقد استمر الصراع، بين مدّ و جزر، متخذا مستوى من الحدة، يتناسب، بهذه الدرجة أو تلك، مع مستوى احتدام التناقض المتولد في عملية الصراع الجارية، و الناتج عن تجليات مفاعيلها. و بينما كانت حكومة الانتداب منحازة استراتيجيا إلى المشروع الصهيوني، فإنها على الصعيد التكتيكي لم تتطابق تماما مع نشاط المنظمة الصهيونية العاملة على تجسيده كما ترغب، و بالتالي توظيف حكومة الانتداب في هذا السبيل. و بصورة عامة، حاولت تلك الحكومة استيعاب الحركة الوطنية الفلسطينية و ترويضها بأشكال متعددة. لكن القيادة الصهيونية أرادت قمع المقاومة الفلسطينية، بكل الوسائل. و إذ لم يمتلك الاستيطان الصهيوني القدرة، أو الأدوات، لتطويع الحركة الوطنية الفلسطينية، فقد طالبت قيادته حكومة الانتداب القيام بذلك، من دون أن تقيم وزنا للاعتبارات البريطانية أحيانا. و سواء لأسباب ذاتية، أو نتيجة قراءة معينة لموازين القوى، فقد سلمت الحركة الوطنية الفلسطينية بالانتداب، لكنها اعترضت على سياسة حكومته. و إذ خفضت من حدة مطالبتها بالاستقلال، فقد ركزت جهدها على التصدي للمشروع الصهيوني، و نجحت في حالات معينة، مستفيدة من التعارضات التكتيكية بين سياستي حكومة الانتداب و الحركة الصهيونية.
ففي إطار سياستها المرتكزة على وعد بلفور، وضعت بريطانيا فلسطين تحت انتدابها، ليكون في قدرتها تجسيد ذلك الوعد. ثمّ صارعت لوضع حدود «فلسطين