الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٤٥٩
و الخارجي. فالمؤسسات الاستيطانية قد تصلب عودها، و هي تتقدم بثبات نحو تحقيق أهدافها، و الهجرة على قدم و ساق، بصورها المتعددة، و الاستيعاب يتعاظم بتوفر الإمكانات المادية بعد توسيع الوكالة اليهودية. و مؤسسات الحكم الذاتي اليهودي تمارس نشاطها من دون هوادة، كما أنها أصبحت تمتلك ذراعا عسكرية (الهاغاناه)، تتسلح و تتدرب تحت سمع الحكومة و بصرها، بل بالتعاون و التنسيق معها. و المهم أن الركيزة الأساسية للمشروع الصهيوني- العلاقة مع المركز الإمبريالي (بريطانيا)- قد تكرست بدعم أميركي قوي. و كان طبيعيا أن ينعكس كل ذلك سلبا على الحركة الوطنية الفلسطينية، إذ إنه من البديهي أن كل نجاح يحققه المشروع الصهيوني لن يكون إلّا على حساب الشعب الفلسطيني.
في المقابل، فالحركة الوطنية الفلسطينية، و بسبب تركيبتها، و بالتالي نمط عملها، أصيبت بالشلل السياسي و التفتت التنظيمي، تحت وطأة احتدام التناقض مع جبهة أعدائها، من جهة، و عجزها عن الارتقاء بإدارة الصراع إلى المستوى الذي يستوجبه الاستمرار في النضال، من جهة أخرى. فالهجرة اليهودية تقلص بصورة مستمرة الأغلبية السكانية العربية، و تهويد الأرض المتزايد ينزع الملكية العربية عنها بصورة نهائية، و تهويد السوق يفاقم الأوضاع الاقتصادية لقطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني، و احتضان الانتداب للاستيطان يعرقل تقدم أهل البلد نحو الحكم الذاتي، و بناء القوة العسكرية الصهيونية يهدد القدرة العربية على المقاومة، و ينذر بإخضاعها قسرا. و علاوة على ذلك، و على العكس من الوكالة اليهودية، كانت الحركة الفلسطينية تفتقر إلى أي دعم خارجي فعلي بعد تقسيم البلاد العربية، و إلى آلية عمل تنظيمية تؤهلها لتجاوز الصراعات الداخلية. و في ظل هذا الواقع، الذي رفضت جماهير الشعب الفلسطيني الاستسلام لإملاءاته، كان طبيعيا أن تنفجر الثورة تلقائيا، و بعفوية تؤدي الروح الكفاحية الشعبية دورا أكبر فيها من قرار القيادة و توجيهها.
و لامتصاص حالة التوتر التي عقبت استشهاد القسام، تقدمت حكومة الانتداب بطرح مشروع المجلس التشريعي مجددا. و استجابت لجنة الأحزاب العربية، بينما رفضته الصهيونية، كما عارضه البرلمان البريطاني، فجمد. و إمعانا في المناورة، دعا وزير المستعمرات، جيمس هنري توماس، الزعماء العرب إلى إرسال وفد عنهم إلى لندن، يعرض وجهة نظرهم. و قبل هؤلاء الدعوة، لكن انفجار الأوضاع سبق موعد سفرهم، فرفع الموضوع من جدول الأعمال. و بينما لجنة الأحزاب تعمل على التهدئة و تسعى لإعادة الاتصال مع لندن، كانت اللجان القومية، التي تشكلت في جميع أنحاء البلاد، تعمل على تفجير الثورة، و قطع الطريق على الزعامة التقليدية للعودة إلى خطها