الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٢٩
و الارتباط العضوي بالإمبريالية العالمية. و تبرز عنصريته في تجاهل كون فلسطين آهلة بالسكان، و نظرته الدونية إليهم، على الرغم من زيارته لها و وقوفه على الواقع الحضاري و العمراني فيها. و مع ذلك، كرّس جل اهتمامه للتخلص من هؤلاء العرب الفلسطينيين، تمهيدا لتهويد البلد عبر تغييب سكانها الأصليين، و قطع صلتهم التاريخية بوطنهم. بل يذهب هيرتسل في عنصريته إلى أبعد من ذلك، إذ يطرح توظيف هؤلاء السكان في التمهيد للاستيطان الصهيوني على أرضهم، قبل نقلهم إلى أماكن أخرى، فيقول: «إذا ما انتقلنا إلى منطقة توجد فيها حيوانات متوحشة لم يعتد عليها اليهود- أفاع كبيرة و غير ذلك- فسوف أستخدم سكان البلاد، قبل ترحيلهم إلى الدول التي سينقلون إليها، من أجل القضاء على هذه الحيوانات.»
و لأن هيرتسل كان يعي أن العقبة الرئيسية أمام مشروعه تكمن في إقناع التجمعات اليهودية الأوروبية- مادة المشروع- بقبوله، فقد توجه إليهم بعدد من المقولات التبريرية و الذرائعية. فادّعى أن المسألة اليهودية ليست قضية اجتماعية أو دينية، إنما هي قومية. و على هذا الأساس يجب حلها، عبر جعلها قضية سياسية عالمية. و دعا اليهود إلى اعتبار أنفسهم وحدة، بغض النظر عن شتاتهم. و لتحريكهم للاستجابة لمشروعه، دعا إلى استغلال حالة البؤس و العزلة التي يعيشونها، و لم يتورع هيرتسل عن توظيف «اللاسامية»، وردة فعل المحيط السلبية إزاء اليهود، في هذا السبيل، فيقول: «العداء للسامية، الذي يؤلف قوة كبيرة و دعاية بين الجماهير، لن يلحق الأذى باليهود، و أنا أعتبره حركة نافعة للوجود اليهودي.» و يؤكد هيرتسل:
«لا يوجد إنسان يملك من الثروة و السلطان ما يكفي لاقتلاع أمة و نقلها من بيئة طبيعية إلى أخرى. الفكرة وحدها تستطيع إنجاز ذلك، و فكرة الدولة هذه تملك القوة اللازمة.» و يؤكد للتجمعات اليهودية أن هجرة أفرادها إلى فلسطين و إقامة دولة هناك، سترفعان من مستواهم الاجتماعي و الاقتصادي، إلى جانب الروحي و المعنوي.
و لإقناع الدوائر الإمبريالية بتبني مشروعه، فقد أسسه هيرتسل على نظرية «رسالة الرجل الأبيض التحضيرية»، تقليدا للاستعمار الغربي. أمّا الدولة اليهودية فقد صوّرها على أنها «سوف تشكل هناك جزءا من متراس أوروبا في آسيا، يكون مخفرا أماميا للحضارة ضد البربرية، و يتوجب علينا، كدولة محايدة، أن نبقى على صلة بكل أوروبا التي سيكون عليها أن تضمن وجودنا.» و عندما أطلق هيرتسل ساقيه للريح باحثا عن دولة كبرى تتبنى مشروعه، و تأخذ على عاتقها أن تشكل «البلد الأم» بالنسبة إليه، راح يعرض على كل رئيس دولة أو حكومة الخدمات التي افترض أنه يرغب فيها. فعلى السلطان العثماني عرض المال و الخبرة اليهودية لسداد ديونه، و على