الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٢٧
الغربية، في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، و حتى الحرب العالمية الأولى (١٩١٤- ١٩١٨ م) بنحو ٥، ٢ مليون، فإن الذين وصلوا منهم إلى فلسطين لا يزيد عن ٠٠٠، ٥٠ فقط، أي ٢% من مجموعهم. و ارتفع هذا العدد عشية الحرب العالمية الأولى إلى ٠٠٠، ٨٥ ثم تراجع إلى ٠٠٠، ٥٦ سنة ١٩١٨ م.
و المنعطف الكبير في العمل الصهيوني- الصهيونية السياسية- في مطلع القرن العشرين، جاء تتويجا لمسار متدرج، امتد على طول القرن التاسع عشر، و أخذ يتصاعد بالتوازي مع ازدياد اهتمام الدول الأوروبية بالشرق الأوسط، و بالتالي تصاعد نبرة الدعوة إلى إقامة كيان يهودي في فلسطين، عبر الهجرة إليها و الاستيطان فيها، بحماية هذه الدولة الكبرى أو تلك. فبعد حملة نابليون، ازداد اهتمام بريطانيا بحماية طرق مواصلاتها مع الهند، و رأت في إقامة استيطان يهودي في فلسطين، تحت رعايتها، عنصرا في توفير تلك الحماية. و بعد حملة محمد علي، كثفت الدول الأوروبية نشاطها للحصول على الامتيازات من السلطنة العثمانية المتهاوية، و كانت الأقليات الدينية ذريعة لذلك. و برزت الدعوة إلى توطين اليهود في فلسطين مرة أخرى. و مع تفاقم المسألة الشرقية، و الإعداد لاقتسام أراضي السلطنة، نشطت الحركة الصهيونية عمليا. و بعد افتتاح قناة السويس (١٨٦٩ م)، و شراء بريطانيا أسهم مصر فيها (١٨٧٥ م)، و من ثمّ احتلال مصر (١٨٨٢ م)، برزت حيوية فلسطين الاستراتيجية للمصالح البريطانية، و معها أهمية الاستيطان الصهيوني كحلقة في شبكة القواعد لحماية الطريق إلى الهند.
و كان الصحافي اليهودي النمساوي تيودور هيرتسل (١٨٦٠- ١٩٠٤ م)، المعبر الأبرز عن هذا المنعطف في أوضاع اليهود و الصهيونية، على أرضية التطورات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية في أوروبا، و بالتالي علاقتها بالشرق الأوسط. و بناء عليه، فهو يعتبر مؤسس الحركة الصهيونية السياسية، كونه نقلها نقلة نوعية، سواء على صعيد البرنامج النظري، أو التطبيق العملي له. لقد التقط هيرتسل الخيوط المتعددة لنشوء الصهيونية، و جمعها في منظمة عالمية، قابلة للحياة في المناخات السائدة آنذاك في أوروبا، و على المستويين- اليهودي الخاص و الإمبريالي العام.
و إذ أفاد هيرتسل من أفكار سابقيه من دعاة الصهيونية، فإنه تفوق عليهم ببرنامجه التنظيمي و العملي، الأكثر ملاءمة للواقع السياسي المحيط بالنشاط الصهيوني، سواء في بلد المنشأ- أوروبا- أو في موقع المآل- فلسطين. و إذ لم يكن هيرتسل مفكرا بمستوى هس، أو ضالعا بالتراث اليهودي مثل كاليشر أو ألقلعي، أو رومانسيا مثل بنسكر، فإنه بالتأكيد تفوق عليهم جميعا في براغماتيته، و بالتالي إدراكه ألّا مجال