الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ١٧٦
الأدوات، و في الحالتين على حساب بلاد الشام، أرضا و شعبا. و قد استفاقت هذه البلاد على الانقلاب بعد فوات الأوان، و باءت المحاولات اليائسة لاستعادة الموقع المرموق، و لو جزئيا، بالفشل، و لم تجدها الطفرات العفوية المتكررة في هذا السبيل فتيلا. و في الشرق، كما في الغرب، قدمت طروحات متعددة لأسباب هذا الانقلاب و مغزاه. فكان من رأى فيه انتصارا للفرس على العرب، أو حلولا للإسلام محل العروبة كأساس للعلاقات بين الناس، كما بينهم و بين الدولة، أو ثأرا للعراق من سورية على ما لحقه منها أيام الأمويين ... إلخ. و مهما يكن الأمر، فالواضح أن قيام الدولة العباسية لم يكن مجرد تبدل في السلالة الحاكمة فحسب، و لا انتقالا لعاصمة الخلافة، بل تجاوز ذلك بكثير.
فوصول بني العباس إلى الخلافة لم يكن نتيجة انقلاب في القمة، أو صراع محصور في الطبقة الحاكمة، بل جاء تتويجا لعمل طويل من الدعوة في جميع أرجاء أرض الخلافة، و خصوصا في الأطراف الشرقية، مع أن الرأس المدبر كان في فلسطين- الحميّمة. و قد استغل الدعاة الثغرات في الحكم الأموي و الأزمات التي انتابته، داخليا و خارجيا. و عندما رفع أبو مسلم الخراساني- داعية العباسيين في خراسان، في الطرف الشرقي من أرض الخلافة- العلم العباسي الأسود، اندلعت معارك دموية، و اكبت مسيرة الثورة من خراسان إلى مصر، و كانت فلسطين إحدى محطاتها الدرامية. ولدى اقتراب ساعة الحسم، اتخذت المعارك طابع الإبادة. و غالى العباسيون في مطاردة فلول بني أمية و أعوانهم و تصفيتهم. وصولا إلى أعالي مصر لقتل آخر خلفاء بني أمية، الأمير المقاتل، مروان بن محمد، الملقب «الحمار» لصبره على الشدائد، سنة ٧٥٠ م.
و من مركز الدعوة الهاشمية في الحميّمة من أرض فلسطين، التي كان عبد الملك بن مروان أقطعها إلى علي بن عبد اللّه بن عباس، و بينما حبل الأمن في بلاد الشام يضطرب كنتيجة مباشرة للصراع بين أدعياء الخلافة من بني أمية، و حالة من التمرد تجتاح الكثير من الولايات، بفضل الخوارج أصلا، نشط محمد بن علي العباسي في الدعوة ضد الأمويين. و بعد وفاته تابع ابنه إبراهيم عمله، لكن الخليفة مروان بن محمد قبض عليه و أعدمه، بعد أن وقع في يده كتاب من إبراهيم إلى داعيته أبي مسلم الخراساني، يحثه فيه على الثورة. و كان إبراهيم قد أوصى بخلافته إلى أخيه أبي العباس (السفاح). و عندما وصلت جحافل خراسان، بقيادة أبي مسلم، إلى الكوفة سنة ٧٤٩ م، بويع أبو العباس خليفة فيها. و بدأت مرحلة الحسم العسكري، إذ أصبح هناك خليفتان- أحدهما في الكوفة، و الآخر في دمشق. و كانت معركة الزاب