الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ١١٣
داريوس، و إعلانه نفسه وارثا للعرش الفارسي، توجه لربط الفرس و اليونان في حضارة عالمية واحدة. و قد عبر عن ذلك بزواجه من أميرة فارسية، و بترتيبه زفافا جماعيا ل ٠٠٠، ١٠ من جنوده لزوجات فارسيات، في مدينة سوسة، بعد رجوعه من الهند.
لكن الإسكندر مات قبل أن يرى أحلامه الكبيرة تتحقق، أو تنهار، أمام ناظرية.
ففي الثالثة و الثلاثين من عمره، و بعد أقلّ من ١٢ عاما على غزوه فارس، خرّ صريع المرض، و ليس بسيوف الأعداء، إذ على هذا الصعيد لم يكن لديه ما يخشاه. و بموته ذهبت مشاريعه الضخمة و خططه الفخمة أدراج الرياح. و القادة الذين تخاصموا على التركة من بعده، لم يكونوا في موقع يؤهلهم لاستكمال تلك المشاريع، و إنما للصراع و الاقتتال بشأن اقتسام المغانم. و في غياب الروح الحية التي نفحت المقدونيين و اليونان بالتطلعات الكبيرة، انقلب القادة أسرى جشع جنودهم للمال و العطايا، فراحوا يسترضونهم بالهبات و الامتيازات، لكسب ولائهم في الصراعات الدموية التي استشرت بينهم بشأن الميراث.
و في الصراع بين أدعياء ميراث الإسكندر، وقعت فلسطين في البؤرة، فكانت مسرحا للمعارك و الحملات و الأخرى المضادة، الأمر الذي ألحق بها و بسكانها ضررا كبيرا. و عندما هدأت الأمور نسبيا، نحو سنة ٢٨٠ ق. م.، كانت إمبراطورية الإسكندر مقسمة بين ثلاث دول كبرى: ١) السلوقيون في غرب آسيا؛ ٢) البطالسة (البطالمة) في مصر؛ ٣) الأنطونيون في مقدونيا و بلاد اليونان الأوروبية. و إذ تخندق كل طرف في عاصمته، و ثبّت ملكه فيها، إلّا إن أحدا منهم لم يقرّ للآخر بالأراضي التي وقعت في يده. و لذلك استمر الصراع بشأن الحدود طويلا. و فلسطين كمنطقة حدودية انتقلت مرات متعددة من يد إلى أخرى، كما انتهزت قوى صغيرة محلية فرصة صراع العمالقة لتحسين أوضاعها، فجلبت على نفسها العقاب، عاجلا أم آجلا.
و بعد مدّ و جزر، استقرت فلسطين أخيرا (٣٠١ ق. م.) في يد بطليموس الأول، ملك مصر. لكن حليفه سابقا، سلوقس، لم يسلم له بذلك، و ظل يصارع لانتزاعها كجزء من سورية، التي كانت تحت حكمه. غير أن البطالسة، الذين لم يؤدّوا دورا كبيرا في الصراع ضد أنطيغونوس، و تحمّل وزره الأساسي سلوقس، استطاعوا الحفاظ على فلسطين حتى سنة ١٩٨ ق. م. و كان انتقالها إلى أيدي السلوقيين في إثر معركة على منابع الأردن (بانياس)، هزم فيها أنطيوخوس الثالث (٢٢٣- ١٨٧ ق. م.) جيش البطالسة. و ظلت فلسطين عموما في منطقة نفوذ السلوقيين إلى حين الاحتلال الروماني سنة ٦٣ ق. م. و مع ذلك، استمرت ترتيباتهم الإدارية فترة طويلة في أثناء حكم الرومان.