الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ١٥٩
على الجانب البيزنطي، و اللخميين على الفارسي- عمد الطرفان، و تحت وطأة الحرب الدائرة بينهما عشية انطلاق الفتوحات العربية، إلى تهميش دور هذين الحليفين، و وقف الدعم عنهما، و أيضا إغراء مقاتليهما من القبائل بالانضمام إلى جيشي الإمبراطوريتين. و قد ترك هذا السلوك حدود الإمبراطوريتين مفتوحة أمام الجيوش العربية، و مغرية للاختراق، و ذلك بالتعاون مع القبائل العربية التي انقلبت على حليفيها السابقين، و انحازت إلى الجانب العربي. أمّا الترتيبات الأمنية الحدودية، التي رعاها الفرس و الروم خلال قرون طويلة، و بصور متعددة، فقد انهارت أمام حركة الفتوح العربية، و من دون مقاومة تذكر. و هيراكليوس، الذي أطاح بترتيبات جوستنيان مع الغساسنة، دفع ثمنا غاليا، غطى على النصر الذي أحرزه في حملاته اللامعة ضد الفرس.
و كان من نتائج الحرب المدمرة بين الإمبراطوريتين، و ما فرضته عليهما من أعباء، و ما استلزمته من تجنيد للإمكانات و حشد للطاقات، و بالتالي ما ألحقته جراء ذلك من أضرار بالسكان المحليين، أن راح هؤلاء يضمرون العداء للسلطة، و يتمنون الخلاص منها. و قد رأوا في العرب الفاتحين فرصة لإزاحة الظلم عن كاهلهم، و خصوصا بعد أن اكتشفوا الفارق بين تعامل العرب معهم، بالنسبة إلى سلوك السلطة سابقا، و على الجانبين. و حتى المسيحيين العرب، و نظرا إلى اعتناقهم العقيدة المونوفيزيتية المناهضة للأورثوذكسية الرسمية البيزنطية، و تحملهم جراء ذلك الكثير من الاضطهاد على يد السلطة، رأوا في الفتح العربي، حتى و هو يحمل لواء الدعوة إلى الإسلام، طريقا إلى الخلاص من القمع الديني، الذي كان يغلف تناقضات قومية بين الشعوب المحكومة و السلطة المركزية.
و النتيجة المهمة للحرب بين الفرس و الروم، و الخارجة بطبيعة الحال عن إرادة الطرفين المتحاربين، لكنها ناجمة عن سلوكهما، هي انتقال التجارة الدولية إلى خطوط أخرى، تتحاشى المرور في مناطق الصراع، تفاديا للأخطار و الضرائب و المكوس، في زمن الحرب و اختلال الأمن. فازدهرت نتيجة ذلك مراكز جديدة تقع على الطرق البديلة في شبه الجزيرة العربية، و لعل أهمها مكة المكرمة، التي تقع على مفترق طرق تؤدي إلى الجهات جميعها. فأضافت مكة بذلك إلى أهميتها الدينية، التجارة و المال و العلاقات الدولية، و بالتالي الموقع المتميّز في نظر القبائل في الجزيرة العربية. و معروف أن مكة كانت، و منذ أقدم العصور، «قبلة الحج»، به يؤم الناس «بيت اللّه الحرام» (الكعبة)، فأصبحت بعد ازدهارها الاقتصادي، و اتساع علاقاتها التجارية و الدبلوماسية، مركزا سياسيا مرموقا أيضا.