الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٥٦
القديمة بحملات عسكرية و رحلات تجارية إلى فلسطين و الساحل السوري. و تظهر التنقيبات الأثرية معالم طريق في شمال سيناء، تصل بين الدلتا و جنوب فلسطين، و ربما إلى عراد (شرق بئر السبع)- منذ بداية الألف الثالث قبل الميلاد- هي بالتأكيد حلقة من الطريق البري الشهير طريق البحر(Via Maris) .
و أظهرت الحفريات في جبيل (بيبلوس)، التي كانت تهيمن على مناطق أشجار الأرز في لبنان، و منذ بداية الألف الثالث قبل الميلاد، أدوات نقشت عليها أسماء ملوك مصر منذ السلالة الثانية فما بعد. و يرد في نقش حجر باليرمو الشهير أن سنّفرو الأول، من السلالة الرابعة (القرن السادس و العشرون قبل الميلاد)، أرسل أسطولا تجاريا- عسكريا، من أربعين سفينة لجلب الأخشاب من جبيل. و بالنسبة إلى جبيل، فهناك أسطورة فينيقية- كنعانية، تقول إنها أقدم مدينة في العالم، بناها الإله أيل الأكبر. و هناك دلائل على تجارة واسعة و مزدرهة بين هذه المدينة و مصر.
و حتى أيام السلالة الخامسة، دعا المصريون سكان الأقاليم الواقعة إلى الشرق و الشمال الشرقي بأسماء متعددة- هي في الأغلب أسماء صفة، مثل سكان الرمال (جرير- شع) أو المنيتو أو الأوتيو، التي لا تزال غامضة المعنى. أمّا منذ السلالة السادسة (القرن الرابع و العشرون قبل الميلاد)، فيظهر الاسم عامو، ذو الدلالة الإثنية، و الأصل السامي، و قد يشير إلى العموريين. كما تبرز نقوش المدافن الفرعونية أسرى يمثلون أمام الملك نارمير، و هم ذوو ملامح آسيوية، يجثمون أرضا؛ بينما الفرعون شاهرا عصاه كأنما يريد أن يهوي بها على رأس الأسير. و تتكرر هذه الصورة في مواقع أخرى، إذ يظهر الفرعون و هو يهمّ بضرب آسيوي.
و على الرغم من ندرة الوثائق المكتوبة، فإن النقوش و الآثار تشير إلى أنه مع تبلور السلطة المركزية في مصر، زادت العلاقات مع فلسطين و الساحل السوري وثوقا. و بغض النظر عن المبالغات في النصوص و النقوش، فهناك دليل واضح على تنامي الاهتمام المصري بغرب آسيا، لأسباب دفاعية، و خصوصا عن مناجم النحاس و الفيروز في سيناء، أو لأسباب اقتصادية تجارية كاستيراد الخشب و النبيذ و الصوف و القطران (القار) و الكبريت و العاجيات و صمغ الصنوبر (الذي يدخل في صناعة السفن) و زيت الزيتون، الذي استعمل لأغراض طبية و في التحنيط. و في هذه العلاقات، و حيث لم تنفع القوة، عمد الفراعنة إلى دبلوماسية التحالفات و الهدايا ... إلخ.
و نظرا إلى أهمية فلسطين بالنسبة إلى مصر، عمد الفراعنة بداية إلى الحملات العسكرية لتأديب الجماعات التي تهدد طرق التجارة، و من ثمّ إلى إقامة حاميات عسكرية في مواقع استراتيجية على تلك الطرق، وصولا إلى إخضاع المدن، بحكامها