الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٥٠٢
تعريض علاقات بلاده بالولايات المتحدة إلى التوتر، في حين تجد بريطانيا نفسها بحاجة إلى الدعم المالي الأميركي.
و في المؤتمر الصهيوني الثاني و العشرين (كانون الأول/ ديسمبر ١٩٤٦ م) برز التحول بنقل المشروع الصهيوني من مجال النفوذ البريطاني إلى الأميركي. و في قرارات المؤتمر جرى التأكيد على «جعل فلسطين دولة يهودية مندمجة في البناء الديمقراطي العالمي»، و فتح أبوابها للهجرة اليهودية، و تولي الوكالة اليهودية المسؤولية عن ذلك. و تواكب ذلك مع تصاعد الدعوة إلى انسحاب بريطانيا من فلسطين و التخلي عن الانتداب، حتى من قبل الأوساط العسكرية، بمن فيهم الفيلد- مارشال مونتغومري نفسه. و نتيجة تصاعد الإرهاب الصهيوني، من دون قرار حكومي بريطاني بقمعه لاعتبارات ردات الفعل الأميركية، و حاجة بريطانيا إلى الدعم المالي الأميركي، لم يبق من مخرج إلّا التخلي عن الانتداب. و هذا يفسح المجال أمام الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها بذريعة «ملء الفراغ»، و الحؤول دون «التمدد الشيوعي»، عبر الكيان الصهيوني في الشرق الأوسط.
و من خلال اللجنة الأنكلو- أميركية أصبحت واشنطن شريكا كاملا في تقرير مصير الانتداب في فلسطين، و بالتالي الاستيطان الصهيوني فيها، على قدم المساواة مع الحكومة البريطانية. و من موقعها هذا، راحت تناور بالتواطؤ مع الوكالة اليهودية لإنهاء الانتداب البريطاني، و تهيئة الأوضاع لتسليم فلسطين للاستيطان. و قد استخدمت إدارة ترومان مسألة «هجرة المئة ألف يهودي إلى فلسطين فورا»، أداة لنسف كل محاولات الحكومة البريطانية تدبر الأمور، و خصوصا أنها كانت في خضم مفاوضات لعقد اتفاق مع الحكومة المصرية بشأن قناة السويس. و كان واضحا أن واشنطن كانت تسعى لإحباط مساعي لندن في هذا السبيل. و عندما ضاق ذرع الحكومة البريطانية ببيانات الإدارة الأميركية، رد إرنست بيفن أن الإلحاح الأميركي ليس إلّا وسيلة للتغطية على قوانين الهجرة الأميركية «التي لا تحبذ دخول اليهود إلى الولايات المتحدة.» و قد أثار ذلك سخط إدارة ترومان، و استدر عددا من الردود الأميركية القاسية. و على أية حال، فإن الضغط الأميركي- الصهيوني، مترافقا مع تصاعد العمليات الإرهابية ضد حكومة الانتداب، و مع الرفض العربي للمشاريع المطروحة، في مرحلة ما بعد الحرب، و بينما الحكومة البريطانية تواجه مشكلات اقتصادية و اجتماعية داخلية، و سياسية خارجية، بشأن موقعها في التشكيلات الناجمة عن نتائج الحرب، قد دفعت جميعها تلك الحكومة إلى طرح قضية فلسطين على الأمم المتحدة، الأمر الذي انتهى بفعل الموقف الأميركي إلى قيام الكيان الصهيوني،