الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٧٢
تتراجع، و مع فتح أسواقها أمام البضائع الأجنبية، انحسرت سوق الصناعات المحلية، و أصابها الكساد. و مداخيل بلاد الشام من الضرائب لم تكن كافية لتسديد نفقات الجهاز الإداري المنتفخ، الذي وظفه الباب العالي في إدارة شؤون البلاد.
لكن فرض السلطة المركزية في بلاد الشام كان يفترض اتخاذ الإجراءات اللازمة لزعزعة مرتكزات قوة الزعماء المحليين- الجيوش الخاصة و السلاح و التزام جباية الضرائب. و في المقابل، كان على الحكومة المركزية توفير أدوات السلطة الجديدة- موظفين و جيوش نظامية و قوانين تضبط الإدارة و العلاقة بين السلطة و الناس. و في هذا السياق، كانت التنظيمات الجديدة التي عمد إليها الباب العالي تعاني ثغرات على الصعيد الذاتي، و تواجه عقبات على الصعيد الموضوعي. فبعد الانسحاب المصري، كانت ردة فعل الزعماء المحليين، و معهم قطاعات واسعة من السكان، عنيفا على الإجراءات التي اتخذها إبراهيم باشا و سعى لتجسيدها بيد من حديد. و في سعيها لزحزحة الحكم المصري من بلاد الشام، عمدت السلطنة إلى تقوية النزعات الاستقلالية لدى الزعماء المحليين، و قدمت لهم الوعود السخية لتحريضهم على الحكم المصري، كما زودتهم بالسلاح و المال لمقاتلة جنوده و تدمير جيشه، حتى و هو ينسحب. و بذلك، كان الباب العالي يؤسس لإفشال التنظيمات التي حاول إدخالها لاحقا. هذا، و لأسباب أخرى تتعلق بالحكومة في إستنبول ظلت الإصلاحات في بلاد الشام تسير ببطء شديد.
و إزاء الأوضاع الجديدة التي تشكلت في بلاد الشام بعد الانسحاب المصري، إذ سارع الزعماء المحليون إلى استعادة مواقعهم السابقة، برز عجز الحكومة العثمانية المركزية عن التصدي لهذه الظاهرة، إذ افتقدت القوة العسكرية اللازمة لفرض إرادتها، و الجهاز الإداري المؤهل لتولي المسؤولية بدلا من الإدارة المصرية المتقدمة. و بعد فترة من المراوحة و التردد، دامت نحو خمسة أعوام حزمت الحكومة العثمانية أمرها، و عينت قائدا جديدا للجيش في بلاد الشام، نامق باشا الذي هدد الزعماء المحليين باستعمال القوة ضدهم إذا لم يخضعوا له. و إذ استطاع نامق باشا أن يفرض هيبته عليهم، و يدخل عددا من الإصلاحات في الإدارة و التجنيد و جباية الضرائب، غير أن النجاح في هذا المضمار ظل محدودا. فسياسة الباب العالي المترددة، و عدم استقرار الموظفين الكبار في مواقعهم لفترات طويلة، إذ كانوا ينقلون سنويا، و الصراعات في إستنبول بشأن الإصلاحات، عرقلت تجسيد التنظيمات التي نصّت عليها المراسيم السلطانية. و في المقابل، لم تفعل التهديدات باستعمال القوة فعلها في ردع الزعماء المحليين و كبح جماحهم. و كما توصل الطرفان- السلطة المركزية و الزعماء- إلى