الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٨٥
و مع مطلع القرن الثاني عشر قبل الميلاد، راحت هذه الموجة تتعاظم و تتقدم برّا و بحرا، من آسيا الصغرى، مرورا بسورية، ففلسطين، فمصر. و أخذت في طريقها مملكة الحثيين، و كذلك المدن السورية: كركميش و أوغاريت و أرواد و مملكة عمورو في شمال لبنان. و بفضل سوء الإدارة المصرية في ولاية كنعان، لم يجد الغزاة مقاومة تذكر في اندفاعهم نحو قلب مصر. و كانت هذه الأخيرة تمرّ بفترة من الاضطراب الداخلي، بعد موت مرنفتاح. و هذا ما زعزع أركان حكمها في فلسطين، و جعل الولاة فيها محبطين، أكان ذلك إزاء حركة شعوب البحر من الغرب، أو تغلغل القبائل من الشرق، و خصوصا تمركز بني إسرائيل في سلسلة الجبال الوسطى، و تمددهم في اتجاه مرج ابن عامر و الجليل الأسفل.
و بعد أن تولى رعمسيس الثالث الحكم، و نجح في ضبط الأوضاع الداخلية و إقامة سلطة مركزية قوية، توجه إلى مقارعة شعوب البحر، فاستطاع دحرهم من الدلتا، و صدّ تقدمهم في جنوب فلسطين. و بعد هزيمتهم، ركب بعضهم البحر، و توجه غربا و انتشر في شمال إفريقيا، كما يبدو. أمّا الآخرون، فقد استقروا على الساحل الفلسطيني، و عملوا لاحقا في خدمة الفرعون، فحلّوا محل الحكام المحليين الكنعانيين، و أسسوا مع الوقت خمس مدن- دولة، هي: غزة و عسقلان و أسدود و جات و عقرون. ثم ما لبثوا أن راحوا يتوسعون شمالا و شرقا، فاصطدموا بالقبائل الإسرائيلية، التي كانت في مرحلة الانتقال من حياة البداوة إلى الاستقرار في الداخل، و خصوصا في المنطقة الجبلية الوسطى.
و تمركز الاستيطان الفلسطي بداية في السهل الساحلي، و خصوصا في جزئه الجنوبي، ثم تمدد مع الزمن في اتجاه الجبال الوسطى، فأقام مراكز في الهضبة.
و يفيد مصدر مصري أن دور (جنوب حيفا)، كانت مركزا لجماعة منهم. و إذ لا تعرف حدود استيطانهم الشمالية، فقد دعي السهل الساحلي الجنوبي باسمهم، ثم جرى تعميمه على فلسطين كلها لاحقا. و الفلسطيون جلبوا معهم صناعة السلاح الحديدي- السيوف و الخوذ و الدروع- و كذلك نوعا متميّزا من الفخار، يحمل طابعا يونانيا- قبرصيا. و في معبد تمّ كشفه في تل- القصيلة (شمال يافا) ظهرت تأثيرات مصرية و إيجية على فن العمارة الكنعاني المحلي.
سادسا: الإسرائيليون
الرواية التوراتية تؤكد أن إبراهيم سلف العبرانيين، هاجر من مدينة أور السومرية، و اتجه شمالا إلى حرّان، و من هناك إلى فلسطين. لكن شريعة موسى