الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٣٠
سابقه، إذ لا يجوز توارثه، على الأقل بصورة نظرية. و لا غرو في ذلك، فالمماليك شكّلوا من أنفسهم طبقة عسكرية حاكمة، لم تكتسب فيها الوراثة شرعية تتمتع بإجماع. و لذلك كثرت في الدولة الانقلابات، و خصوصا في القمة. و لضمان أرضهم و مداخيلهم، عمد الكثيرون من المماليك إلى «وقف» أملاكهم، سواء على المؤسسات العامة- المساجد و المزارات و المدارس و المشافي و غيرها- أو على أبنائهم (الوقف الذري) من بعدهم. و قد انتشرت هذه الظاهرة في العصر المملوكي، في جميع أنحاء الدولة، بصورة لم يسبق لها مثيل. و كذلك، أقطع المماليك مشايخ القبائل و العشائر أرضا، ظلت ملكا مشاعا للقبائل. و الإقطاع، في أشكاله جميعها، لم يلغ الملكية الخاصة، و انحصر بأملاك الدولة، التي كانت على العموم الأوسع و الأجود.
و إذ ظلت الزراعة عماد الاقتصاد في الدولة المملوكية، فإن التجارة- الداخلية و الخارجية- ازدهرت في أيامهم الأولى كثيرا، و كذلك الأمر بالنسبة إلى الصناعة.
و على العموم، نشط التبادل التجاري بين الأقاليم، و كذلك مع الخارج. و نظرا إلى ما كانت تدره من أرباح، عبر الضرائب و المكوس، على البضائع و الأسواق و الجسور و المحطات الحدودية، فقد أولى المماليك التجارة عناية كبيرة. فاجتهدوا في الحفاظ على الأمن، أكان ذلك على الطرق، أو في الأسواق و الموانىء، و بنوا الجسور و وسعوا الطرق، و أقاموا الخانات و الفنادق و الأسواق. و تطورت الخدمات التجارية، أكان ذلك من ناحية النظام المالي، أو إقامة المؤسسات المصرفية و الوكالات التجارية. و لم تنقطع في العصر المملوكي التجارة مع المدن الأوروبية، و خصوصا الإيطالية، التي عقدت اتفاقات مع الدولة، و ظلت أساطيلها تجوب البحر، و تؤم الموانىء، التي أقام تجار أوروبا فيها «قيسريات» و خانات و وكالات تجارية خاصة بهم. كما أن سيل الحجاج إلى الأماكن المقدسة لم ينقطع.
و يلفت النظر اهتمام سلاطين المماليك و أمرائهم ببناء الأماكن الدينية و المعاهد التعليمية و المؤسسات الاجتماعية. و يتضح من المصادر أن هؤلاء نظروا إلى رجال الدين و الفقهاء و المشايخ و رجال العلم نظرة إجلال. و لعل كونهم طبقة عسكرية حاكمة، تملك الكثير من المال و القليل من المعرفة في هذه الحقول، جعلها تعوّض عن هذا النقص في البذل السخي لإقامة هذه المنشآت. و لقد أكثر المماليك من هذه المباني، و أغدقوا عليها الأوقاف، و بذلوا الأموال الوفيرة على تجميل عمارتها، و تزيين داخلها و ظاهرها. و انتشر ذلك في جميع أنحاء ملكهم، و نالت القدس قسطا وافرا منها. فازدهرت فيها الدراسات القرآنية و الفقهية و اللغوية و الرياضية و الطبية.