الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٤٩
منتشرة، كما عاشت جماعات حياة التنقل و الرعي و الصيد. و هم يستندون في هذا الاستنتاج إلى تنوّع عادات و تقاليد دفن الموتى، و أشكال المقابر، و هو ما يدل على وجهات نظر متباينة بشأن الحياة و الموت و شخصية الإنسان و موقعه في المجتمع.
و نظرا إلى تواتر تدمير المستوطنات، و إعادة بنائها، الأمر الذي يبرز من خلال تراتبية الطبقات في التلال، يعتقد الباحثون أن هذا العصر شهد تحركات واسعة لجماعات بشرية، دارت بينها حروب طاحنة على الأرض و الموارد. و ما التحصينات إلّا دلالة على ذلك، إذ لا مدينة من دون أسوار.
و يستخلص الأثريون أن جماعات جديدة جاءت إلى فلسطين في عصر المدن الأولى، و ظلت الهجرات إليها تتوالى. و يؤيد علماء الأنثروبولوجيا ذلك، من خلال التمييز بين أنماط متعددة من الهياكل العظمية المكتشفة في المدافن. و مع ذلك، فهم يؤكدون أن العنصر السائد ظل إنسان حوض البحر الأبيض المتوسط، أي العنصر الذي اصطلح على تسميته السامي، و الذي انتمى إليه النطوفيون- سكان فلسطين في العصور السابقة. و من دراسة الحضارة، المادية و الروحية، لسكان فلسطين في هذا العصر، يستخلص الباحثون نتيجة مفادها أن فلسطين شهدت تمازجا، عرقيا و حضاريا، خلال الألف الثالث قبل الميلاد، ليس له مثيل في تاريخ المنطقة.
و هذا التمازج عمّ الشرق الأدنى القديم، و أدّى دورا رئيسيا في صوغ حضارة هذا الجزء من العالم و تاريخه.
و إذ تتباين آراء الباحثين بشأن جنسية هذه الجماعات، و أصولها العرقية و مواطنها الأصلية، فإن أحدا لا ينكر الحضور المتميز للجماعات السامية، التي يعتقد أن موطنها الأصلي هو الجزيرة العربية. و من هذه الجماعات تفرعت الشعوب السامية القديمة المعروفة: الأكاديون و الأشوريون و العموريون و البابليون و الكنعانيون و الأراميون و غيرهم. و لا يشك أحد في أن بين هذه الشعوب علاقات قربى، عرقية و لغوية و حضارية. و منهم من يقسم هذه الشعوب إلى سامية شرقية، تبلورت شخصيتها، و كذلك لغتها في العراق، و أخرى سامية غربية، تبلورت شخصيتها و لغتها في بلاد الشام. و هذه الأخيرة تدين باسم غربية إلى مصادر أكادية، استعملت مصطلح عمورو، أو أمورو، للإشارة إلى الجماعات التي تعيش في بلاد الشام، إلى الغرب من نهر الفرات.
و من الواضح أن بلاد الشام، و ضمنها فلسطين، لم تكن معزولة عن الثورة التي أحدثها قيام مدن- الدولة في مصر و العراق. و إن تأخرت عنهما بعض الوقت. و بينما سار العراق و مصر، و كل منهما لأسباب خاصة، على سكة الدولة المركزية