الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣١٣
في تقرير مجرى الأحداث، أي العامل القائد في جدل العلاقة بين أطراف الصراع الذي نشب في فلسطين جرّاء المشروع الصهيوني.
و بإلقاء النظر إلى مسار الأحداث في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، و بصورة خاصة في نهايته، تبرز أربع ظواهر متفاعلة و متشابكة. و تفاعل هذه الظواهر في عملية صراعية، أنتج الوضع القائم في المنطقة عبر تجليات سيرورة الصراع.
فعلى الصعيد الاستراتيجي الأعلى، احتدم التناقض بين ظاهرتين تشكلتا عبر فترة زمنية طويلة، و راحتا تقتربان من حسم هذا التناقض بصورة جذرية، و هما: ١) انحلال السلطنة العثمانية- آخر الإمبراطوريات الإسلامية من القرون الوسطى- و أثر ذلك في الأراضي الواقعة تحت حكمها، فعلا أو ظاهرا، و على مصير الشعوب المنضوية في إطارها، رغبة أو قسرا؛ ٢) تكالب الاستعمار الأوروبي على تقسيم أراضي السلطنة، بعد أن ظلت قواه لفترة طويلة تعمل على تكريس نفوذها في تلك الأراضي، عبر الامتيازات أولا، و من خلال التدخل المباشر و الفظّ لاحقا. ففي نهاية القرن التاسع عشر تفاقمت أزمة الرأسمالية الأوروبية، و معها راحت تتصاعد محاولات المراكز الإمبريالية لتصدير أزمتها إلى الخارج، فاصطدمت هذه المحاولات على أرضية تناقض المصالح، و أدّت إلى الحرب العالمية الأولى و انحلال السلطنة العثمانية.
و على أرضية الظاهرتين السابقتين، و ليس بمعزل عنهما، بل بالترابط و التواكب مع تجليات مسار حسم التناقض بينهما، برزت ظاهرتان أخريان، دخلتا بطبيعة الحال في تناقض تناحري بينهما، لتنفي إحداهما الأخرى، و هما: ١) ظهور الحركة القومية العربية، على خلفية انحلال السلطنة العثمانية، من جهة، و تبلور الوعي الذاتي العربي لخصوصية الأمة العربية، و بالتالي ضرورة التعبير عن هذه الخصوصية في دولة قومية موحدة، من جهة أخرى؛ ٢) بروز الحركة الصهيونية السياسية، ساعية لإقامة دولة يهودية في قلب الوطن العربي، و بالتعاون مع الدول الاستعمارية، و بالتالي من خلال المشروع الإمبريالي العام إزاء المنطقة. و في هذا الإطار يبرز الدور الصهيوني الذي أوكلت إليه من خلال مشروعه، و لاحقا عبر كيانه السياسي، مهمة المساهمة في التصدي للحركة القومية العربية، و العمل على ضربها و إحباط نضالها من أجل الاستقلال و الوحدة، و ذلك عن طريق بناء الكيان الصهيوني الاستيطاني كقاعدة عدوانية، همّها سواء بالتدخل المباشر أو المداور، الحؤول دون تحقيق الحركة القومية العربية لأهدافها، و بناء عليه، ترسيخ واقع التفتت و التبعية في العالم العربي.
إن الربط بين هذه الظواهر الأربع، أخذا في الاعتبار مجمل المتغيرات في تلك المرحلة على ساحة الوطن العربي، سواء نتيجة التطورات الداخلية فيه، أو المؤثرات