الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٦
و الحيوانات القابلة للتدجين، الأمر الذي دعا إلى الاعتقاد أن المنطقة كانت الموطن الأصلي لهذه الأجناس. و هناك الكثير من الدراسات يثبت أن الأصول البرية لهذه النباتات و الحيوانات انتشرت بصورة طبيعية في المنطقة التي تضم القفقاز و اليونان و هضبة الأناضول و أواسط آسيا و شمال غرب إيران و شمال العراق و بلاد الشام و وادي النيل الشمالي.
أمّا بالنسبة إلى العوامل الإنسانية، فتدل آثار الحضارة المادية للمجموعات البشرية التي عاشت في الشرق الأدنى القديم، على أنها حققت إنجازات كبيرة في العصور السابقة، جعلتها مهيّأة لأن تكون رائدة الحضارة في العصر الحجري الوسيط.
و من هنا، فالنقلة النوعية التي تحققت عبر الحضارة النطوفية، و التي امتدت لتغطي منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، و شمال إفريقيا، وصولا إلى تونس- حضارة قفصة- هي نتيجة سنة التطور الطبيعي، و وليدة الحاجات الحياتية المتزايدة التي اقتضتها مستلزمات الحياة لجماعات بشرية مستقرة تتكاثر بوتيرة متسارعة، من جهة، و تلبية النزعة الدائمة لتحسين الأوضاع المعيشية لأفراد تلك الجماعات، من جهة أخرى.
إن فرادة النطوفيين تكمن- أساسا- في خطواتهم السريعة نحو إنتاج غذائهم، ثم في الانتقال إلى حالة من الاستقرار، و تأسيس مستوطنات دائمة في مرحلة مبكرة من الحضارة الإنسانية. و قد أصبح من المؤكد الآن أن الجماعات البشرية النطوفية تميّزت منذ البداية بحركة نزوح من المغاور و الكهوف إلى المواقع المكشوفة في أرجاء الشرق الأدنى القديم كلها. و حدث ذلك بالتدريج، إذ بدأوا بناء منازل بسيطة، يسهل بناؤها كما يسهل هدمها، على المصاطب القريبة من الكهوف، و كانت على العموم مستديرة الشكل، أسفلها محفور في الأرض على عمق نصف متر تقريبا، و جدرها و سقفها، من جذوع الأشجار المغطاة بالأغصان و الجلود.
لقد تمّ الكشف عن قرى نطوفية كثيرة، و في مواقع متعددة، تحمل سمات عامة مشتركة، من ناحية شكل البناء، أو التعبيرات الفنية، أو طقوس الدفن، أو تقنيات صناعة الأدوات الميكروليتية الهلالية، أو الأدوات الزراعية البازلتية. و تتركز هذه المواقع بشكل كثيف في فلسطين في السهل الساحلي الأوسط، و في جبال القدس و سفوحها الغربية. و في غور الأردن موقعان متباعدان، غاية في الأهمية: الأول في أريحا، و الثاني إلى الجنوب الغربي من بحيرة الحولة، في جوار عين الملاحة، الذي يعدّ الموقع النموذج لهذه الحضارة بعد التنقيبات التي أجريت فيه.
و موقع عين الملاحة القريب من نبع غزير يحمل الاسم نفسه، هو قرية نطوفية